فلا تزدهم على الكسب والتمر « 1 » ، وأكثر منهما ما استطعت . ففعلت ما أمرني به ، وانصرفت إلى أبي عبد اللّه فأخبرته ، فحضر بعد المغرب ، وصعد غرفة في الدار ، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ ، وحضر الحارث وأصحابه ، فأكلوا ثم قاموا لصلاة العتمة ، ولم يصلّوا بعدها ، وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت ، لا ينطق واحد منهم ، إلى قريب من نصف الليل ، فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة ، فأخذ في الكلام ، وأصحابه يستمعون كأنّ على رؤوسهم الطير ؛ فمنهم من يبكي ، ومنهم من يحنّ ، ومنهم من يزعق ، وهو في كلامه ؛ فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد اللّه ، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه ، فانصرفت إليهم ، فلم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا ، فقاموا وتفرّقوا . فصعدت إلى أبي عبد اللّه وهو متغيّر الحال . فقلت : كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد اللّه ؟ قال : ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم ! ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل ! « 2 » .
وقال الجنيد : كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا فيقول : اخرج معنا نصحر . فأقول له : تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ، ورؤية الشهوات ؟ ! فيقول : اخرج معي ولا خوف عليك . فأخرج معه ، فكأنّ الطريق فارغ من كلّ شيء ، لا نرى شيئا نكرهه ؛ فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي : سلني . فأقول له : ما عندي سؤال أسألك . فيقول لي : سلني عمّا يقع في نفسك . فتنثال علي السؤالات ، فأسأله عنها ، فيجيبني عليها للوقت ، ثم يمضي إلى منزله فيعملها كتبا « 3 » .
وقال الجنيد : كنت كثيرا أقول للحارث : عزلتي أنسي ، وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات ! فيقول لي : كم تقول أنسي وعزلتي ! لو أنّ
هامش
( 1 ) الكسب : عصارة الدهن . القاموس ( كسب ) .
( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 214 ، 215 .
( 3 ) الحلية 10 / 74 وتاريخ بغداد 8 / 213 .