وقال محمد بن خفيف : دخلت على القاضي علي بن أحمد فقال لي :
يا أبا عبد اللّه ! قلت : لبّيك أيها القاضي . فقال : ههنا لكم حكاية تحتاج تكتبها بماء الذهب . فقلت : أيها القاضي ! ماء الذهب لا نجده ، بل نكتبها بالحبر الجيّد . فقال : بلغني أنه قيل لأبي عبد اللّه أحمد بن حنبل : إنّ الحارث المحاسبي يتكلّم في علوم الصوفية ، ويحتجّ بالآي والسّنن . فقال أحمد : أحبّ أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم بي . فقال رجل : أنا أجمعك معه . فاتخذ دعوة ودعا الحارث وأصحابه [ ودعا أحمد بحيث لا يرى الحارث ، فدخل الحارث وأصحابه ] ، فحضرت الصلاة ، فتقدّم وصلّى بهم المغرب ، وأحضر الطعام ، فجعل يأكل ويتحدّث معهم ، فقال أحمد : هذا من السّنّة . فلما فرغوا من الطعام غسلوا أيديهم ثم جلس الحارث وجلس أصحابه فقال : من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل . فسئل عن الإخلاص وعن الرّياء ، ومسائل كثيرة ، فأجاب عنها واستشهد عليها بالآي والحديث ، وأحمد يسمع ولا ينكر من ذلك شيئا . فلما مرّ هويّ من الليل « 1 » أمر الحارث قارئا أن يقرأ شيئا من القرآن على الحذر ، فقرأ ، فبكى بعضهم وانتحب الآخرون ، ثم سكت القارئ ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ، ثم قام إلى الصلاة ، فلما أصبحوا قال أحمد :
قد كان يبلغني أنّ ههنا مجالس الذكر يجتمعون عليها ، فإن كان هذا من تلك المجالس فلا أنكر منها شيئا « 2 » .
وقال إسماعيل بن إسحاق السرّاج : قال لي أحمد بن حنبل يوما :
يبلغني أنّ الحارث المحاسبي يكثر الكون عندك ، فلو أحضرته منزلك فأجلستني من حيث لا يراني ، فأسمع كلامه ؟ فقلت : السمع والطاعة لك ؛ وسرّني هذا الابتداء منه ، فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة .
فقلت : وتسأل أصحابك أن يحضروا معك . قال : يا إسماعيل ! فيهم كثرة ،
هامش
( 1 ) الهويّ من الليل ، بفتح الهاء وضمّها : الساعة منه . القاموس ( هوي ) .
( 2 ) المناقب 47 ب ، 48 أ .