الرّزق من ربّه في الوقت أو قبل الوقت أو بعد الوقت ؟ قالوا : ليس نفهم هذا . قال حاتم : أنا أضرب لكم مثلا حتى تفهموه ؛ مثل العبد الذي طلب الرزق من ربّه كمثل رجل كان له على رجل دين ، فطالبه فقعد يلازمه ، فاجتمع جيرانه وقالوا له : هذا رجل معدم ، لا شيء له فأجّله في هذا الحق حتى يحتال ويعطيك . فقال لهم : كم تريدون أؤجّله ؟ قالوا : شهرا . فتركه وانصرف . فلما كان بعد عشرة أيام جاء فاقتضاه . فقام جيرانه فقالوا :
سبحان اللّه ! أجّلته بين أيدينا شهرا ثم جئت تقضيه بعد عشرة أيام ! فتركه وانصرف ، فلما كان محلّ الشهر جاء فاقتضاه ، فقال الجيران : إنما حلّ لك اليوم ، دعه إلى بعد المحلّ ثلاثا . فهذا مثل العبد الذي طلب الرزق من ربّه . ثم قال : عندكم خرثيّ « 1 » وأثاث ودراهم في أكياسكم ، وطعام في بيوتكم وأنت تقولون : اللهمّ ارزقنا ؟ فقد رزقكم ، كلوا وأطعموا إخوانكم المؤمنين ، حتى إذا فني أقيموا بعده ثلاثا ، ثم سلوا ربّكم حتى يعطيكم ، عسى أن يموت أحدكم غدا وعنده ما يخلفه على الأعداء وهو يسأل أن يزيده في رزقه . ما هذه الغفلة ؟ فقال علماء المدينة : أستغفر اللّه « 2 » يا أبا عبد الرحمن ، ما أردنا بالمسألة إلا إعناتك . ثم انصرفوا عنه « 3 » .
وقال أبو تراب النّخشبيّ : قال شقيق البلخي لحاتم الأصمّ : مذ أنت صحبتني أيّ شيء تعلّمت مني ؟ قال : ستة أشياء . قال : ما أوّلها ؟ قال :
رأيت كلّ الناس في شكّ من أمر الرزق . فتوكّلت على اللّه تعالى لقوله :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] ، فعلمت أني من جملة
هامش
( 1 ) في مناقب خميس : « حرث » . والخرثيّ : أثاث البيت ، أو أردأ المتاع ، والغنائم .
القاموس ( خرث ) .
( 2 ) كذا في الأصلين ( أ ، ل ) والمناقب ، بصيغة المفرد ، وفي الحلية : « نستغفر اللّه » بصيغة الجمع ، وهو أشبه بالصواب .
( 3 ) الخبر بطوله في الحلية 8 / 80 - 83 ، وفي المناقب لابن خميس 72 ب - 74 أ ، على خلاف في بعض الألفاظ ، وما مرّ بين معقوفين منه .