قصد من لا يخبره ، ولا يد أعلى من الرشيد وأشباهه . فقال عمرو بن بحر :
لم اعتزلت الناس وفيهم من تعلم ، وبهم تقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : صدقت ، ولكن بينهم سلاطين الجور يفتنونا عن ديننا ، فالتخلّي منهم أولى . قال : فعلى ما « 1 » وطّنت نفسك في العزلة وبنيت عليه أمرك ؟ قال : علمت أنّ القليل من الرزق يكفيني ، فأقللت الحركة في طلبه ، وأنّ فرضي لا يقبل إلّا مني ، فأنا مشغول بأدائه ، وأنّ أجلي لا بدّ يأتيني فأنا منتظر له ، وأني لا أغيب عن عين من خلقني فأستحيي منه أن يراني وأنا مشغول بغير ما وجب له عليّ . ثم ردّ باب القبّة وحلف أن لا يكلّمهم .
فرجعوا إلى الرشيد وقالوا : إنه أعقل أهل زمانه « 2 » .
وقال أبو عبد اللّه الخوّاص : دخلت مع أبي عبد الرحمن حاتم الأصمّ إلى الرّيّ ومعه ثلاث مائة وعشرون رجلا يريدون الحجّ ، وعليهم الصّوف والزّرمانقات « 3 » ، ليس معهم جراب ولا طعام ، فنزلنا على رجل من التجّار متنسّك يحبّ الصالحين ، فأضافنا تلك الليلة ، فلما كان من الغد قال لحاتم : يا أبا عبد الرحمن ! ألك حاجة ؟ فإنّي أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل . قال حاتم : إن كان لكم فقيه عليل ، فعيادة الفقيه فيها فضل كثير ، والنظر إلى الفقيه عبادة ، وأنا أيضا أجيء معك . وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الرّيّ . فجاءوا إلى الباب ، فإذا باب مشرف حسن ، فبقي حاتم متفكّرا يقول : باب عالم على هذه الحال ! ثم أذن لهم ، فدخلوا فإذا دار قوراء « 4 » ، وإذا بزّة وفرش وستور وجمع ، فبقي حاتم متفكّرا ينظر ، حتى
هامش
( 1 ) إثبات ألف ما الاستفهامية المجرورة شاذ في العربية ، انظر ص 116 الحاشية ( 1 ) من هذا الجزء .
( 2 ) الحلية 8 / 74 .
( 3 ) الزّرمانقة : جبّة من صوف ، وهي عجمية معرّبة . وجاء في الحديث أن موسى عليه السلام كانت عليه زرمانقة صوف لما قال له ربّه :وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ[ النمل : 12 ] . اللسان ( زرمق ) .
( 4 ) القوراء : الواسعة . القاموس ( قور ) .