وقال عليّ بن الموفّق : سمعت حاتما يقول : لقينا التّرك ، وكان بيننا جولة ، فرماني تركي بوهق « 1 » فقلبني عن فرسي ونزل عن دابّته ، فقعد على صدري ، وأخذ بلحيتي هذه الوافرة ، وأخرج من خفّه سكّينا ليذبحني به ، فو حقّ سيّدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكّينه ، إنّما كان قلبي عند سيّدي ، انظر ما ذا ينزل به القضاء منه ، فقلت : سيّدي ! قضيت على أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين ، إنما أنا لك وملكك . فبينا أنا أخاطب سيّدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي ليذبحني إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه ، فسقط عنّي ، فقمت إليه فأخذت السكّين من يده فذبحته ، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيّد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمّهات « 2 » .
وقال أبو خليفة عن الرّياشيّ : قيل للرشيد : إنّ حاتما الأصمّ قد اعتزل الناس في منزله منذ ثلاثين سنة ، لا يحتاج إلى الناس في شيء من أمور الدنيا ، ولا يتكلّم إلّا عند مسألة لا بدّ له من الجواب ، فقال : سأمتحنه .
فندب له أربعة : محمد بن الحسن ، والكسائي ، وعمرو بن بحر ، ورجلا آخر أحسبه الأصمعي ؛ فجاءوا حتى وقفوا تحت قبته وناداه أحدهم :
يا حاتم ! « 3 » فلم يجبهم ، حتى قال : بحقّ معبودك إلا أجبتنا . فأخرج رأسه وقال : يا أهل الحيرة ! هذه يمين مؤمن لكافر ، وكافر لمؤمن : لم خصصتموني بالمعبود دونكم ؟ ولكنّ الحقّ جرى على ألسنتكم ، لأنكم اشتغلتم بعبادة الرشيد عن طاعة اللّه تعالى . فقال أحدهم : ما علمك بأنّا خدم الرشيد ؟ قال : من لم يرض من الدنيا إلا بمثل حالكم لا يزلّ عن مطلبه إلى
هامش
( 1 ) الوهق : الحبل محكم الفتل يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان .
والأنشوطة : عقدة تمدّ بأحد طرفيها فتنحل . اللسان ( وهق ، نشط ) .
( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 244 ، 245 .
( 3 ) في الحلية كرّر لفظ « يا حاتم » مرتين .