تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
لساني عن شرح جميع ما شهدته غير أنّا كنّا مارّين ، فنظر إليّ يوما وأنا جائع ، وقد تورّمت رجلاي وأنا أمشي بجهد ، فقال لي : ما لك ؟ لعلك جعت ؟ قلت : نعم . قال : [ و ] لعلّك أسأت الظنّ بربّك عزّ وجل ؟ قلت : بلى . فقال : ارجع إلى ربّك . قلت : وأين هو ؟ قال : حيث خلّفته . فقلت : هو معي . فقال : إن كنت صادقا فما هذا الهمّ الذي أراه عليك ؟ ! قال : فرأيت الورم قد سكن ، والجوع قد ذهب ، ونشطت حتى كدت أتقدّمه . فقال أبو تراب : اللهمّ إنّ عبدك قد أقرّ لك بالفاقة فأطعمه . ونحن بين جبال ليس فيها مخلوق ، ثم انتهينا إلى رابية فإذا كوز ماء ورغيف موضوع ، فقال لي أبو تراب : دونك . فجلست وأكلت ، فقلت : ليس تأكل منه أنت ؟ فقال : يأكل من اشتهاه « 1 » . وقال أبو تراب : دخلت البادية ومعي ثلاث مائة تلميذ لي على التوكّل ، ومعنا جمال ، فلما صرت في الطريق أقام اللّه تعالى لي بالكفاية ، حتى انتهيت إلى فيد « 2 » ، فعرفت نفسي بحسن الكلاءة « 3 » ، فلما وقع لي الخاطر بذلك وقع بي المنع ، ووقع الموت في الجمال ، وضعف أصحابي عن المشي وعن صدق ما قصدوا له ، [ ووقع بي التفات : أين حولك ؟ ] فالتجأت إلى اللّه تعالى في ذلك ، فهتف بين هاتف : يا أبا تراب ! المنع بك واقع إلى مكة ، حتى لا ترى لك قدما إلّا واللّه عزّ وجلّ مقدّمك فيها ، ولا ترى لك حالا ؛ ألم تر موسى عليه السلام حيث قال :
هِيَ عَصايَ
[ طه : 18 ] . فلما ادّعى ملكا ورأى نفسه قال له سبحانه :
أَلْقِ عَصاكَ
[ القصص : 31 ] فلما قلب العين فيها لجأ وهرب ، فقيل له : ارجع ولا تخف فقال أبو تراب : أيها الهاتف ! لقد شرحت وبيّنت ، فأنشدك [ اللّه ] من أنت ؟ قال : أنا الخضر الموكّل بأولياء اللّه عزّ وجلّ ، أردّ قلوبهم إذا شردت عنه سبحانه ؛
هامش
( 1 ) المنتقى لابن خميس 77 ب . ( 2 ) فيد : منزل بطريق مكة معجم البلدان 4 / 282 . ( 3 ) الكلاءة : الحفظ والحراسة . اللسان ( كلأ ) .