مكة ، فمرض فعدل عن الطريق إلى ناحية ، فقال له بعض أصحابنا : أنا عطشان . قال : فضرب برجله فإذا عين من ماء زلال ، فقال الفتى : أحبّ أن أشربه في قدح . فضرب بيده إلى الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت . فشرب وسقانا ، وما زال القدح معنا إلى مكة .
قال : فقال لي يوما : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم اللّه بها عباده ؟ فقلت : ما رأيت أحدا إلا وهو يعطى الإيمان بها . فقال : من لم يؤمن بها فهو كافر . ثم قال : إنما سألتك من طريق الأحوال ، قلت :
ما أعرف لهم قولا فيها . قال : بلى قد زعم أصحابك أنها خدع من الحق « 1 » ، وليس الأمر كذلك ، إنما الخدع في حال السكون إليها ، فأمّا من لم يعرّج على الملك في اعتناق الحقائق فتلك مرتبة الربّانيّين « 2 » .
وقال إسماعيل بن نجيد : كان أبو تراب يقول : بيني وبين اللّه عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه « 3 » .
وقال يوسف بن الحسين : سمعت أبا تراب يقول : ما تمنّت عليّ نفسي قطّ إلا مرّة ، تمنّت عليّ خبزا وبيضا وأنا في سفر ، فعدلت من الطريق إلى قرية ، فلما دخلتها وثب إليّ رجل فتعلّق بي وقال : إنّ هذا كان مع اللصوص ، فبطحوني وضربوني سبعين جلدة ، فوقف علينا رجل فصرخ :
هذا أبو تراب ، فأقاموني واعتذروا إليّ ، وأدخلني الرجل منزله وقدّم إليّ خبزا وبيضا فقلت : كلها بعد سبعين جلدة « 4 » .
وقال محمد بن يوسف البنّا : كان أبو تراب النّخشبي صاحب كرامات ؛
هامش
الصلت بن المغلس المتوفى سنة 308 ه . ترجمته في تاريخ بغداد 4 / 207 والأنساب 7 / 317 .
( 1 ) في مختصر تاريخ ابن عساكر : « من الجن » .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 173 ، 174 ومختصر تاريخ ابن عساكر 17 / 53 ، 54 .
( 3 ) الحلية 10 / 48 والرسالة 1 / 109 .
( 4 ) الحلية 10 / 47 وتاريخ بغداد 12 / 316 ، 317