بعض حتى يشتفوا ويموتوا جميعا . قال : فلم أزل أرفق به وقلت : ويحك ! لعلّها خير سفرة سافرتها - وكان طويل الحج ، رجلا صالح ، إلا أنه كان تاجرا موسرا مقبلا على شأنه لم يكن صاحب حزن ولا بكاء - فقال لي : قد وقعت مرّتي هذه ، ولعلّها تكون خيرة « 1 » .
قال : وكلّ هذا الكلام لا يعلم به بهيم ، ولو علم بشيء منه ما صاحبه .
قال : فخرجا جميعا حتى حجّا ورجعا ، ما يرى كلّ واحد منهما أنّ له أخا غير صاحبه . فلما جئت أسلّم على جاري . قال لي : جزاك اللّه يا أخي عني خيرا ، ما ظننت أنّ في هذا الخلق مثل أبي بكر ، كان واللّه يتفضّل عليّ في النفقة ، وهو معدم وأنا موسر ، ويتفضّل عليّ في الخدمة ، وأنا شابّ قويّ وهو شيخ ضعيف ، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم . قلت : فكيف كان أمرك معه في الذي كنت تكرهه من طول بكائه ؟ قال : ألفت واللّه ذلك البكاء ، وسرّ قلبي ، حتى كنت أساعده عليه ، حتى تأذّى بنا أهل الرّفقة ، ثم واللّه ألفوا ذلك ، فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا وجعل بعضهم يقول لبعض : ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد ؟ قال : فجعلوا واللّه يبكون ونبكي ؛ ثم خرجت من عنده فأتيت بهيما فسلّمت عليه وقلت : كيف رأيت صاحبك ؟ قال : كخير صاحب ، كثير الذكر للّه ، طويل التلاوة للقرآن ، سريع الدمعة ، محتمل الهفوات للرفيق ، جزاك اللّه عني خيرا « 2 » .
هامش
- كان أحد الحفّاظ الأثبات ، كان ثقة صاحب سنّة ، توفي سنة 179 ه ، ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء 8 / 250 ترجمة رقم 74 والكنى لمسلم ص 84 .
( 1 ) كذا ، ولعلها « الأخيرة » .
( 2 ) صفة الصفوة 3 / 179 - 182 .