وقال مخوّل : جاءني بهيم يوما فقال لي : تعلم لي رجلا من جيرانك أو إخوانك يريد الحجّ ترضاه يرافقني ؟ قلت : نعم ، فذهبت به إلى رجل من الحي ، له صلاح ودين ، فجمعت بينهما ، وتواطئا « 1 » على المرافقة ، ثم انطلق بهيم إلى أهله ، فلما كان بعد أتاني الرجل فقال : يا هذا ! أحبّ أن تزوي عني صاحبك وتطلب رفيقا غيري . فقلت : ويحك فلا واللّه ما أعلم بالكوفة له نظيرا في حسن الخلق والاحتمال ، ولقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيرا . قال : ويحك ، حدّثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر ، فهذا ينغّص علينا العيش سفرنا كلّه . قلت : ويحك إنما يكون البكاء أحيانا عند التذكرة يرقّ القلب فيبكي الرجل ، أو ما تبكي أنت أحيانا ؟ قال : بلى ، ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم جدّا من كثرة بكائه . قلت : اصحبه لعلّك تنتفع به .
قال : أستخير اللّه .
فلما كان اليوم الذي أراد أن يخرجا فيه جيء بالإبل ووطّئ لهما « 2 » ، فجلس بهيم في ظلّ حائط ، فوضع يده تحت لحيته ، وجعلت دموعه تسيل على خدّيه ، ثم على لحيته ، ثم على صدره ، حتى واللّه رأيت دموعه على الأرض . فقال لي صاحبي : يا مخوّل ! قد ابتدأ صاحبك ، ليس هذا لي برفيق . قلت : ارفق ، لعلّه ذكر عياله ومفارقته إياهم فرقّ . وسمعها بهيم فقال : يا أخي ! واللّه ما هو ذاك ، وما هو إلّا أني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة . قال : وعلا صوته بالنّحيب ، فقال لي صاحبي : واللّه ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إيّاي ، أنا ما لي ولبهيم ؟ إنما كان ينبغي أن يرافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلّام أبي الأحوص « 3 » ، حتى يبكي بعضهم إلى
هامش
( 1 ) تواطئا : توافقا . اللسان ( وطأ ) . ورسمت في الأصل بالياء : « تواطيا » .
( 2 ) وطّئ لهما : هيّئ . اللسان ( وطأ ) .
( 3 ) داود الطائي : هو داود بن نصير الطائي أبو سليمان تأتي ترجمته في ص 804 من هذا الجزء ، وأما سلّام أبو الأحوص فهو سلّام بن سليم الحنفي الكوفي مولاهم ، -