تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
وقال : كنت مجاورا بمكة ، ورأيت بها إبراهيم الخوّاص ، ولم يكن بيني وبينه أنس ولا مجالسة ، وكنت إذا رأيته أهابه ، وقد كان أتى عليّ أيام لم يفتح لي بشيء ، وكان بمكة رجل مزيّن يحبّ الفقراء والمستورين ، وربما كنت أقصده فيأخذ شعري ، وكان من أخلاقه : إذا جاءه الفقير يحتجم عنده اشترى له لحما وطبخه وأطعمه ؛ فقصدته ذات يوم وقلت له : أريد أن أحتجم . فأرسل من يشتري لحما ويصلحه ، وجلست بين يديه فجعلت نفسي تقول : ترى ، يكون فراغ القدر مع فراغ الحجامة ؟ ثم استيقظت وقلت : يا نفس إنما جئت لتحتجمي لا لتطعمي . وعاهدت اللّه عزّ وجلّ إن ذقت من طعامه شيئا ؛ فلما فرغ من الحجامة انصرفت ، فقال لي : سبحان اللّه ! أنت تعرف الرسم ؟ فقلت : ثمّ عقد . فسكت ، وجئت إلى المسجد فلم يقدر لي شيء آكله ، فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار ، ولم يتفق لي أيضا شيء ، فلما أقيمت صلاة العصر سقطت وغشي عليّ ، واجتمع حولي ناس وحسبوا أني مجنون ، فقام إبراهيم الخوّاص وفرّق عني الناس وقعد عندي يؤانسني ويحدّثني . ثم قال لي : تأكل شيئا ؟ قلت : قرب الليل ؟ فقال : أحسنتم يا متبدئين اثبتوا على هذا تفلحوا . ثم قام إبراهيم ، فلما صلّينا عشاء الآخرة إذا هو قد جاءني ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان ودورق « 1 » فيه ماء ، فوضعه بين يدي وقال لي : كل . فأكلت الرغيفين والعدس ؛ فقال : فيك فضل تأكل شيئا آخر ؟ قلت : نعم . فمضى وجاءني بقصعة عدس ورغيفين ، فأكلت الجميع وقلت : قد اكتفيت . ثم انضجعت ، فما قمت ليلتي إلى الصباح إلا كنت نائما ، وما صلّيت وما طفت ، فرأيت بعد ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقال لي : يا بنان ! قلت : لبيك يا رسول اللّه . فقال : من أكل بشره أعمى اللّه عين قلبه . قال : فانتبهت واعتقدت أن لا أشبع بعد هذه الرؤيا .
هامش
( 1 ) الدّورق : الجرّة ذات العروة . القاموس ( درق ) .