إذ من البعيد غاية البعد ابتلاء العمومات في الشريعة بهذا المقدار من النواسخ ( مع أنّ الحمل على النسخ يوجب طرح ظهور كلا الخبرين في كون مضمونهما حكما مستمرا من أوّل الشريعة إلى آخرها ) فإنّه إذا أمر مثلا في صدر الإسلام باكرام العلماء ونهى بعد سنة عن اكرام النحاة يكون كل منهما ظاهرا في استمرار حكمه من أوّل الشريعة إلى آخرها ، وهذا إنّما يتم بحمل الثاني على التخصيص إذ لو حمل على النسخ فلا يكون حكم الأوّل « عموم » مستمرا إلى آخر الشريعة وهو خلاف الظاهر ، ولا يكون حكم الثاني مستمرا من أوّل الشريعة وهو أيضا خلاف الظاهر .
( إلّا أن يفرض المتقدم ظاهرا في الاستمرار ) كأكرم العلماء ( والمتأخّر غير ظاهر بالنسبة إلى ما قبل الصدور ) كلا تكرم النحاة بعد ذلك ، فانّ ظاهره أنّ هذا النهي لم يكن في السابق بل من الآن ( فحينئذ يوجب طرح ظهور المتقدم لا المتأخّر ) أي يكون الحمل على النسخ موجبا لطرح ظهور الأوّل فقط في الاستمرار ( كما لا يخفى ، وهذا لا يحصل في كثير من الموارد بل أكثرها ) إذ قلّ ما يتفق عدم ظهور الخاص في الاستمرار من الأوّل كما مثّلناه ( وأمّا ) التزام اقتران العمومات بقرائن التخصيص ثم ( اختفاء المخصصات ) وكون هذه المخصصات المتأخّرة كاشفة عنها ( فيبعده بل يحيله عادة عموم البلوى بها من حيث العلم والعمل ) .
توضيح الكلام : أنّ كون هذه المخصصات كاشفة معناه أنّ أهل العصر المتقدّم علموا بالقرائن وعملوا بها ، وأنّ أهل العصر المتأخّر خفيت عليهم القرائن فعملوا بظاهر العمومات ، والأمران ممنوعان ، أمّا الثاني إذ لا شك أنّهم اهتمّوا بأخذ الأحكام والعمومات من أهل العصر المتقدم لابتلائهم بالعلم والعمل بها ، وعند ذلك يمتنع عادة طرو الخفاء بعروض العوارض إلّا على سبيل الندرة لا بهذه الكثرة ، وأمّا الأوّل فلقوله : ( مع امكان دعوى العلم ) الضروري ( بعدم علم أهل العصر المتقدّم وعملهم بها بل المعلوم جهلهم بها .
فالأوجه هو الاحتمال الثالث ) أي التزام تأخير البيان عن وقت الحاجة
شرح الرسائل — صفحة 562
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٥٦٢