أطيب منزل ، ووردن أعذب منهل . وهنالك نهر ، كأن حصاه الدّرّ والجوهر ، وثراه المسك الأذفر ، وماءه « 1 » من نهر الكوثر ، المدّخر ليوم المحشر ، مغدودق المشارع سهل الشرائع . فبتنا بها ليلتنا ، ونلنا أمنيّتنا . فلما تبلّج وجه الصباح ، نادى منادي الراح : حيّ على الاصطباح . فقلنا ما قصدنا إلّا الصيد ، ولا كرامة ولا كيد . ونهضنا إلى حيولنا فركبناها ، وإلى آلات القنص فاشتملناها ، وإلى الجوارح فجرّدناها ، وإلى المناهل فوردناها . فرأينا صيدا تحار لكثرته الأفكار ، وتقصر عن إدراكه الأبصار . فمن أرانب وغزلان ، وحبارج « 2 » وكروان ، وحجل ودرّاج ، وطير مما قد هاج ، وهي في عدد الرّمل والنّجوم . فجعل لكلّ صنف من الجوارح جزء مقسوم ، فأفردنا الكلاب للأرانب والفهود للظّباء ، والبزاة للحجل والشواهين لطير الماء . وسرنا صفّا ، كأننا « 3 » نحاول زحفا . والظّباء في مرابضها نائمات ، وعمّا يراد بها غافلات ، في بلهنية من العيش ودعة ، وخصب في المرعى وسعة ، قد أمنت البوائق ، ونسيت العوائق . والأرانب في مجاثمها لبود ، تحسبها أيقاظا وهي « 4 » رقود . والحجل قد فارق ثبجه ، وضيّع مدخله ومخرجه ، منتصبا على الإكام ، لا يفترعن « 5 » الكلام ، كأنّه وامق مستهام ، أو طافح خبلته مدام ، في غفلة من فتكات القدر ، وأمنة « 6 » من آفات الغير . والدّرّاج قد أخذ في الصّياح ، لما أحسّ تبسّم « 7 » الصباح ، والبوزجات تجاوبه بالنّباح ، كأنما الدّرّاج يدعوها إليه ، أو كأن الكلاب
هامش
( 1 ) في الأصل : وماؤه .
( 2 ) الحبرج والحبروج : نوع من الحبارى ، أو ذكره . والجمع الحبارج والحباريج . انظر اللسان والدميري ومعجم الحيوان ص 43
( 3 ) مع هذه اللفظة ينتهي الخرم في النسخة « ب » . انظر الهامش العاشر من الصفحة 353
( 4 ) في « ب » : وهم .
( 5 ) في « ح » : من .
( 6 ) في « ب » : آمنة .
( 7 ) في « ب » : أحسن تنسم .