عند إقبال القرّ لتقرّ به عيناي ، وأستريح به من شدّة عناي ، وأشتو عنده شتاء الأعرابيّ النازل على آل المهلّب « 1 » حين ذمّ زمانه وشكا محله ، فما زال به إكرامهم وافتقادهم حتى حسبهم أهله « 2 » . ووصل إلى الخادم تشريف حلله « 3 » وجمله ، فودّ لو اتّبع إنفاذ تشريفه ، باستنهاضه في بعض المآرب وتكليفه . ولقد تأمّله عليه صدور العراق فما منهم الّا من شكر وبشّر ، وأثنى عليه خيرا وذكر .
وبعد ، فلئن ألبس خادمه خلعة غدا ثوبها مبهجا ، وسيكون غدا منهجا « 4 » ، فقد « 5 » ألبس مجده حلّة من الثناء والاطراء يبقى حديثها على الأيّام طريّا أرجا ، واللّه لا يسلب كافة « 6 » أوليائه ، سابغ نعمه وآلائه ، في قرب أو بعد ، وكسوة حرّ أو برد ، والسلام » .
وكتب اليّ ، وهو في الاعتقال سنة إحدى وسبعين ، زمان اشتغالي بحلّ أقليدس « 7 » :
ما ذا يضرّ العزيز يوما * إن زار في أصره الذليلا ؟
لو كان يبدي إليّ ميلا * لكان يسعى اليّ ميلا
يا ملهما حلّ كلّ شكل * يقيم في حلّه الدليلا
هامش
( 1 ) المهلب بن أبي صفرة القائد المشهور . كان سيدا جليلا نبيلا ، وكان من أشجع الناس ، حمى البصرة من الخوارج ، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز استقصى المبرد في الكامل أكثرها ، وأخباره كثيرة ، وتقلبت به الأحوال ، وآخر ما ولي خراسان من جهة الحجاج سنة 79 ه . وكانت وفاته سنة 82 ه ، قال ابن خلكان ( 2 / 148 ) : وله عقب كثير بخراسان يقال لهم المهالبة ، وفيهم يقول بعض شعراء الحماسة :نزلت على آل المهلب شاتيا * بعيدا عن الأوطان في الزمن المحلفما زال بي معروفهم وافتقادهم * وبرهم حتى حسبتهم أهلي( 2 ) هذه الجملة هي حل البيتين المذكورين للشاعر الحماسي .
( 3 ) ط : « جلله » بالجيم ، وانما المناسب ما أثبتناه .
( 4 ) أنهج الثوب : أخلقه .
( 5 ) صوابه « لقد » ، لأن القسم والشرط إذا اجتمعا ، كان الجواب للأول .
( 6 ) أطبق جماهير أئمة اللغة على أن « كافة » لا تعرف بأل ولا تضاف ، بل تكون منصوبة على الحال على نحو استعمالها في القرآن .
( 7 ) أقليدس أو أوقليدس بالضم وزيادة الواو( Eukleides )رياضي يوناني مشهور وضع كتابا في الهيئة والهندسة والحساب ، وأطلق اسمه على كتابه كما أطلق اسم البخاري على كتابه الجامع الصحيح . وقد نقله إلى العربية الحجاج بن يوسف الكوفي نقلين : أحدهما الهاروني ، والآخر المأموني .
ونقله أيضا حنين بن إسحاق ، وثابت بن قرة ، وأبو عثمان الدمشقي ، وشرحه كثيرون .