لهم : فيكم رجل تدلّوني عليه ؟ فقالوا : هذا الشّيخ الذي يصلّي بنا .
فحضرت عندهم صلاة الظّهر والعصر ، فقال له ذلك الرّجل : هذا من ولد عبد الرّحمن بن عوف ، وجدّه لأمّه سعد بن معاذ . قال : فبشّ بي ، وسلّم عليّ كأنه منذ كان يعرفني . قال : فقلت : يا أبا الحنبلية ، من أين تأكل ؟
فقال لي : أنت مقيم عندنا ؟ فقلت : أمّا اللّيلة فأنا عندكم . ثمّ مضيت معه ، فجعل يحدّثني ويؤانسني ، حتّى جاء إلى كهف جبل ، فقعدت ، ودخل ، فأخرج قعبا « 1 » يسع رطلا ونصفا ، قد أتت عليه الدّهور ، ثمّ وضعه ، وقعد يحدثني ، حتّى إذا كادت الشّمس أن تغرب اجتمعت عليه ظباء ، فاعتقل ظبية منها ، فحلبها حتّى ملأ ذلك القدح ، ثمّ أرسلها ، فلمّا سقط القرص « 2 » حساه ، ثم قال : ما هو غير ما ترى ، وربّما احتجت إلى الشّيء من هذا ، فتجتمع حولي هذه الظّباء ، فآخذ حاجتي « 3 » .
* * *
( 146 ) وقال أبو يعقوب الطّبري :
كنت في البادية ، فأتى عليّ فيها أيام لم آكل فيها شيئا ، وجعت جوعا شديدا ، فرفعت همّي إلى اللّه في ذكر الخير « 4 » ، فنظرت ، فإذا البادية كلّها محفوفة بالمضارب البيض كأنها جيوش الأمراء ، ليس لهم عدد ، فتأمّلتهم ، فلم أر فيهم أحدا من الأنس ، وأظنّهم كانوا من الجنّ ، فإذا بين المضارب تلّ من الخبز ، وعلى رأس التّلّ كلب باسط ذراعيه على ذلك الخبز ، فوقع لي أنّ ذلك الخبز فيها ذلك ، فعدوت وصحت ، وذهب جوعي ، ووقع لي في هذا عجائب ، تسلّيت بها ليالي وأياما .
* * *
هامش
( 1 ) القعب : القدح الكبير . متن اللغة .
( 2 ) سقط القرص : غاب قرص الشمس .
( 3 ) صفة الصفوة : 4 / 432 ، المختار 5 / 318 .
( 4 ) في ( أ ) : فرفعت همتي إلى اللّه في ذكر الخبز .