الدّنيا بأبدانهم ، وطابقوهم عليها بأهوائهم ، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم ، وسكتوا عمّا سمعوا من ظلمهم ، وفرحوا لما رأوا من زينتهم ، وداهن بعضهم بعضا في القول ، فأشر وبطر من صحبهم من خبيث فعلهم « 1 » ، لهم بالظّاهر أعمال البر للمحامد والرّياء ، وتركوا باطن العمل بالتّصحيح فحرمهم اللّه بذلك الثّمن الرّبيح .
واعلم أنه لا يجزئ من العمل القول ، ولا من البذل العدة ، ولا من التّقوى التّلاوم ، قد صرنا في زمان هذه صفة أهله ، فمن كان كذلك فقد تعرّض للمقت ، وضلّ عن سواء السّبيل ، وفّقنا اللّه وإيّاك لما يحبّه ويرضاه « 2 » .
* * *
( 142 ) وقال عبد الرّحمن الصّوفي رحمه اللّه :
كنت ببغداد في سوق النّحّاسين « 3 » ، فرأيت جماعة مجتمعين ، فدنوت منهم ، فرأيت شابّا مصروعا مغشيا عليه ، فقلت لواحد منهم : أيش أصابه ؟ فقال : سمع آية من كتاب اللّه . فقلت : أيّ آية ؟ فقال : قوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
[ الحديد : 16 ] فلمّا أفاق « 4 » أنشأ يقول :
ألم يأن للهجران أن يتصرّما * وللغصن غصن البان أن يتنسّما
وللعاشق الصّبّ الذي ذاب وانحنى * ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما ؟
كتبتم بماء « 5 » الشّوق بين جوانحي * كتابا حكى نقش الوشاة منمنما « 6 »
هامش
( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 264 : فأشر وبطر قولهم ، ومرّ خبيث فعلهم . وفي ( أ ) : فأشروا وبطروا صحبهم ومن خبيث .
( 2 ) حلية الأولياء 8 / 241 ، صفة الصفوة 4 / 263 ، المختار 5 / 176 .
( 3 ) في ( ب ) : سوق الصفارين .
( 4 ) في ( ب ) : فلما سمع أفاق وأنشأ .
( 5 ) في ( ب ) : كتبت بماء الشوق .
( 6 ) الوشي : نقش الثوب ونمنمته ، يكون من كل لون ، والوشاة : الضرابون للذهب . وفي -