( 148 ) وقال أبو جعفر الحدّاد :
كنت في طريق مكّة ، فجلست أستريح ، فإذا إلى جانبي عصفور على حجر ، فلم يبرح ، ولم يستوحش ، فجعلت أنظر إليه ، تجيء الذّباب ، فيضرب منقاره ، فيزمّ حواليه ، فيفتح فاه ، فيدخل الذّباب فيه ، فرأيت هذا منه مرارا ، فقمت إليه ، فأخذته ، فإذا هو أعمى ، والذّباب الذي يجيء إليه رزقه .
* * *
( 149 ) وقال أبو الأشهب السّائح رحمه اللّه :
بينا أنا في الطّواف ، إذا بجويرية خماسية « 1 » ، وقد تعلّقت بأستار الكعبة ، وهي تقول : يا وحشتي بعد الأنس ! ويا ذلّي بعد العزّ ! ويا فقري بعد الغنى ! فقلت لها : يا جارية ، أذهب لك مال ، أو أصبت بمصيبة ؟ فقالت : لا ، ولكن كان لي قلب فقدته . فقلت : وهذه مصيبتك التي تبكين عليها ؟ فقالت : وأيّ مصيبة أعظم من فقد القلوب ، وانقطاعها عن المحبوب ! ؟ فقلت لها : إنّ حسن صوتك قد عطّل عليّ من سمع كلامك الطّوّاف . فقالت : يا شيخ ، البيت بيتك أم بيته ؟ فقلت : لا ؛ بل بيته . فقالت : فالحرم حرمك أم حرمه ؟
فقلت : لا ؛ بل حرمه . قالت : فمن استزارنا إليه ؟ قلت : هو . قالت :
فدعنا نتدلّل عليه على قدر ما استزارنا إليه .
ثمّ قالت : سيّدي ، بحبك [ لي ] إلّا ما رددت عليّ قلبي . فقلت لها :
يا جارية ، من أين تعلمين أنّه يحبّك ؟ فقالت : بالعناية القديمة ، حبس في طلبي الجيوش ، وأنفقوا الأموال ، وأخرجني من بلاد الشّرك ، وأدخلني إلى بلاد التّوحيد ، وعرّفني نفسه بعد جهلي إيّاه ، فهل هذا يا عبد اللّه إلّا لعناية ؟ قلت : فكيف حبّك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجلّه . قلت : أتعرفين الحبّ ؟ قالت : فإذا جهلت الحبّ ، فأيّ شيء أعرف ؟ قلت : فكيف هو ؟
قالت : أدقّ من السّراب ، وأرقّ من الشّراب . قلت : وأيّ شيء هو ؟
هامش
( 1 ) خماسية : أي طولها خمسة أشبار .