فأمسكت ، لا أدري ما أقول لها . قال : فسمعتها تقول : يأبى اللّه أن يدنّس طرائف حكمته ، وخفيّ [ معرفته ] ، ومكنون محبّته قلوب البطّالين . ثمّ قالت : يا عثمان ، أما واللّه لو سألتني عن محبّة ربّي عزّ وجلّ لكشفت القناع الذي على قلبي ، وأخبرتك بمحبّة سيّدي ، ثمّ استقبلت بوجهها القبلة ، وهي تقول : من أين لعقلي الرّجوع إليك إلهي ؟ ومن أين لوجهي الحياء منك سيّدي ؟ إن لم تكن لي ، هلكت ، وإن لم تكن معي في وحدتي عطبت . ثمّ استقبلتني بوجهها توبّخني ، وقالت : يا عثمان . فقلت :
لبيك . فقالت :
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه * هذا وربّي في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع « 1 »
قال عثمان : فو اللّه ما ذكرت كلامها إلّا هيّجت عليّ أحزاني « 2 » .
* * *
( 140 ) وقال حمّاد بن سلمة :
ألحّ علينا المطر سنة من السّنين ، وفي جواري امرأة متعبدة ، لها بنات أيتام ، فوكف السّقف عليهم ، فسمعتها تقول : يا رفيق ، ارفق بي . فسكن المطر عن المكان ، قال : فأخذت صرّة فيها عشرة دنانير ، وقرعت بابها ، فقالت : اللّهمّ اجعله حماد بن سلمة .
هامش
( 1 ) ديوان الشافعي 87 ، وهي مما ينسب لمحمود الوراق .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 253 ، والمختار 5 / 472 ، وهما يتفقان مع ما أورده المؤلف حتى قوله : ومكنون محبته بممارسة قلوب البطالين ، ثم يختلفان ، وأسوق رواية المختار :
قلت : رحمك اللّه ، لو دعوت اللّه عز وجلّ أن يشغلني بشيء من محبّته . فنفضت يدها في وجهي ، فأعدت القول أقتضي الدعاء ، فقالت : يا عبد اللّه ، امض لحاجتك ، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من أجلك ، ثم ولّت ، وقالت : لولا خوف السلب لبحت بالعجب ، ثم قالت : أوّه من شوق لا يبرأ إلّا بك ! ومن حنين لا يسكن إلّا إليك ! فأين لوجهي الحياء منك ؟ وأين لعقلي الرجوع إليك ؟ قال عثمان : فو اللّه ما ذكرت ذلك إلّا بكيت وغشي عليّ .