( 139 ) وقال عثمان بن عبد اللّه « 1 » رجل من العبّاد :
خرجت من بيت المقدس أريد بعض قراها في حاجة ، فإذا أنا بعجوز عليها مدرعة من صوف ، وخمار من صوف ، تعتمد على عكّاز لها ، فقلت في نفسي : راهبة تريد ديرا ، فحانت منها التفاتة ، فقالت : يا عبد اللّه ، على دين الحنيفية ؟
فقلت : وما أعرف دينا غيره . فقالت : ما اسمك ؟ قلت : عثمان . فقالت :
يا عثمان ، من أين خرجت ، وأين تريد ؟ فقلت : من بيت المقدس إلى بعض قراها في حاجة . فقالت : كم بينك وبين منزلك وأهلك ؟ فقلت :
ثمانية عشر ميلا . فقالت : [ ثمانية عشر ميلا في حاجة ! ] إنّ هذه لحاجة مهمة . قلت : نعم . قالت : ألا سألت صاحب القرية يوجّه إليك بحاجتك ولا يعنّيك ؟ قال عثمان : ولم أدر ما تريد . فقلت : يا عجوز ، ليس بيني وبينه معرفة . فقالت : يا حبيبي ، وما الذي قطع بينك وبين معرفته ، وحال بينك وبين الاتّصال به ؟ قال عثمان : ففهمت ما قالت ، فبكيت . فقالت :
مم بكاؤك ، أمن شيء كنت فعلته فذكرته ؟ فقلت : نعم « 2 » . فقالت :
احمد اللّه الذي لم يدعك في حيرتك . فقلت : يا عجوز ، لو دعوت اللّه ليّ بدعوة . فقالت : بماذا ؟ قلت : تنقذني من حبّ الدّنيا . فقالت : امض لشأنك ، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضّمير من أجلك . ثمّ قالت :
يا عثمان ، تحبّ اللّه تعالى ؟ فقلت : أجل . فقالت : اصدقني ، ولا تكن كذابا . فقلت : واللّه ، إنّي أحبّ اللّه . فقالت : يا عثمان ، فما الذي أفادك من طرائف حكمته إذ أوصلك بها إلى محبّته ؟ قال : فأمسكت لا أدري بما أجيبها . فقالت : يا هذا ، لعلّك « 3 » ممن يحبّ كتمان المحبّة . قال :
هامش
( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 253 أثبت : عثمان الرجاني ، وقال محققه : وفي نسخة :
الرجائي ، وفي المختار 5 / 472 : عثمان المرجاني .
( 2 ) في المختار : فقالت : من أي شيء تبكي ؟ من شيء كنت فعلته ونسيته ، أو من شيء نسيته وذكرته ؟ قلت : لا ، بل من شيء كنت أنسيته وذكرته .
( 3 ) في ( ب ) : عساك ممن .