فأقعدني في أصله ، وجعل يده على الميل وهو قائم ، قد حنا عليّ ، وعليه كساء قد تخلّل به ليظلّني من المطر ، حتّى تمنّيت أنني لم أخرج معه ، لما يلحق نفسه من الضّرّ ، فلم يزل هذا دأبه حتّى دخلنا مكّة « 1 » .
* * *
( 137 ) وقال داود بن رشيد :
حدّثني الصّبيح والمليح عابدان كانا بالشّام [ سميا الصّبيح والمليح لحسن عبادتهما ] قالا : خرجنا ذات يوم نطلب رجلا نعلّمه شيئا من أمر دينه ، فرأينا أسود على رأسه حزمة حطب ، فقلنا له : يا أسود ، من ربّك ؟ فقال : لا تقولا من ربّك ؛ ولكن قولا : أين محلّ الإيمان من قلبك ؟ ثمّ قال : إنّ للّه عزّ وجلّ عبادا لو سألوه أن يجعل هذه الحزمة ذهبا ، لصارت . قال : فصارت الحزمة ذهبا . ثمّ قال : اللّهمّ ، إنك تعلم أنّ لك عبادا الخمول أحبّ إليهم من الشّهرة ، اللّهمّ فارددها حطبا . فعادت الحزمة حطبا « 2 » .
* * *
( 138 ) وقال أبو فروة السّائح :
بينا أنا أسيح في جبل لبنان إذ جنّ اللّيل عليّ ، وأنا في بعض أوديته ، فإذا بصوت محزون ، وهو يقول : يا من آنسني بقربه ، وأوحشني من خلقه ، وكان عند مسرّتي « 3 » ، ارحم اليوم عبرتي ، فدنوت منه ، قال : فإذا شيخ قد سقط حاجباه على عينيه ، فلمّا أحسّ بي نفر مني ، وقال : إنسيّ أنت ؟ فقلت : نعم إنسي . فقال : إليك عنّي ، فمنكم فررت « 4 » .
* * *
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 148 ، المختار 3 / 429 .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 291 ، المختار 5 / 349 ، روض الرياحين 283 ( الحكاية : 220 ) .
( 3 ) في ( أ ) : وكان عند سؤلي .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 347 ، المختار 5 / 323 .