فأشرفت على زاوية قوم من الأعراب ، فأقبل عليّ غلامان ، ومعهما جارية ، فقال أحد الغلامين : يا إنسان ، أتيت البيت الذي في الفلاة ؟
قلت : نعم . قال : وتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم . قال : قتلت العجوز وربّ الكعبة . ومشيت مع الغلامين والجارية حتّى أتينا البيت ، فدخلت الجارية ، فكشفت عنها ، فإذا هي ميتة ، فأعجبني خاطر الغلام ، فقلت للجارية : ممن الغلامان ؟ فقالت : هما جعافرة ، وهذه أختهما ، منذ ثلاثين سنة ما تأنس بكلام النّاس ، إذا نزلت توارت بيتها في الفلاة ، تأكل في كلّ ثلاثة أيام أكلة وشربة « 1 » .
* * *
( 136 ) وقال مصعب بن أحمد بن مصعب :
قدم أبو محمد المروزي يعني عبد اللّه الرّباطي رحمه اللّه يريد مكّة ، وكنت أحبّ أن أصحبه ، فأتيته ، فاستأذنته وسألته الصّحبة ، فلم يأذن لي في تلك السّنة ، ثمّ قدم في سنة ثانية وثالثة ، فأتيته وسلّمت عليه ، وسألته ، فقال : اعزم على شرط ، أن يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر . فقلت له : أنت الأمير . فقال لي :
يا أبا أحمد ، لا ، بل أنت ، فقلت : لا ؛ بل أنت أسنّ وأولى . فقال : نعم ، ولكن لا يجب أن تعصيني . فقلت : نعم .
فخرجت معه ، فكان إذا حضّر طعاما « 2 » يؤثرني به ، فإذا عارضته بشيء ، قال : ألم أشترط عليك أن لا تعصيني ؟ فكان هذا دأبنا حتّى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضّرّ .
وأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير ، فقال لي : يا [ أبا ] أحمد ، اطلب الميل « 3 » ، فلمّا جئنا الميل ، قال لي : اقعد في أصله .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 393 ، المختار 5 / 468 .
( 2 ) في المختار 3 / 429 : إذا حضر الطعام .
( 3 ) الميل : منار يبنى للمسافرين . القاموس ( ميل ) .