صمته ، ومراعاة حاله واستهتاره « 1 » بذكر ربّه ، ودوام مناجاته ، فلمّا وصلنا المدينة ، اعتلّ الشّابّ علّة شديدة ، وانفرد عنّا ، فصرت إليه مع جماعة من أصحابي ، نتعرّف خبره ، فلمّا رأيناه في شدّة ما به « 2 » ، قال بعضهم : لو أحضرنا له طبيبا ، ينظر إليه ، ويصف له علّته ، فلعله يكون عنده دواؤه .
فسمع الشّابّ مقالته ، وتبسّم من ذلك ، وقال : يا مشايخي وأحبابي ، ما أقبح المخالفة بعد الموافقة ! من أراد اللّه له حالا ، وأراد هو حالا غيره ، أليس قد خالف اللّه تعالى في إرادته ؟ .
قال يوسف : فخجلنا من كلامه ، فنظر إلينا ، وقال : لو عرفتم داء القتيل من ذي السّلوان « 3 » ، لطلبتم لداء القتيل دواء ، إنّ الأمراض والأسقام فيها تطهير وتكفير وتذكير ، وداء القتيل مشاهدة النّفس ، وموافقة الهوى ، ثمّ أنشأ يقول :
بيد اللّه دوائي * وبعلم اللّه دائي
إنّما أظلم نفسي * باتّباعي لهوائي
كلّما داويت دائي * غلب الدّاء دوائي
قال : فتركنا وقمنا من عنده « 4 » .
* * *
( 133 ) وقال محمد بن منصور :
كان بالكوفة رجل متعبّد ، يأكل في كلّ يوم نصف رغيف ، وكان قاعدا لا يضطجع ، بل يضع جبهته على ركبته من صلاة إلى صلاة ، لا يتطوّع بشيء غير الفرائض ، ولا يتكلّم البتّة ،
هامش
( 1 ) استهتر بالشيء : أولع به ، وأفرط فيه ، لا يتحدّث بغيره ، ولا يغفل عنه ، غير مبال بنقد ولا موعظة . وفي إحدى نسخ المختار 5 / 369 : واستكثاره لذكر ربه .
( 2 ) في المختار : فلما رأينا شدّة ما به .
( 3 ) في المختار : من داء السلوان .
( 4 ) المختار 5 / 369 ، روض الرياحين 424 ( الحكاية : 394 ) .