( 130 ) وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي رحمه اللّه :
أجمع عقلاء كلّ أمة أنّه من لم يجر مع القدر ، لم يهنأ بعيشه . كأن يقول : قميصي أنظف قميص ، وإزاري أوسخ إزار ، وما حدّثت نفسي أنّهما يستويان قطّ ، ويكون فرد عقب مداسي مقطوعا ، وعقب الآخر صحيحا ، أمشي بهما ، وأدور بغداد من الجانبين « 1 » لا أحدث نفسي أنّي أصلحها ، ولا شكوت إلى أبي ولا إلى أخي ولا إلى زوجتي ولا إلى بناتي قطّ حمّى وجدتها .
فالرّجل هو الذي يدخل غمّه على نفسه ، ولا يغمّ عياله .
كان بي شقيقة مدّة خمس وأربعين سنة ، وما أخبرت بها أحدا قط ، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ، وما أخبرت به أحدا ، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين ، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلتهما ، وإلّا بقيت جائعا عطشان إلى اللّيلة الثّانية ، وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف واحد في اليوم واللّيلة إن جاءتني به امرأتي أو إحدى بناتي أكلته ، وإلّا بقيت جائعا عطشان إلى اللّيلة الأخرى ، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كان برنيّا أو نيفا وعشرين إن كان دقلا « 2 » . ومرضت ابنتي ، فمضت زوجتي ، فأقامت عندها شهرا ، فقام إفطاري في هذا الشّهر بدرهم ودانقين ونصف . ودخلت الحمام ، واشتريت لهم صابونا [ بدانقين ] ، فقام نفقة شهر رمضان كلّه بدرهم وأربعة دوانيق ونصف « 3 » .
* * *
( 131 ) وقال محمد بن صالح رحمه اللّه :
بينا أنا في الطّواف ، إذ نظرت إلى أعرابيّ بدوي متعلّق بأستار الكعبة ، وقد شخص بصره نحو
هامش
( 1 ) في ( أ ) : بغداد الجانبين .
( 2 ) البرني : ضرب من التمر ، أصفر مدور ، وهو أجود التمور ، والدقل : أردأ أنواعه .
اللسان ( برن - دقل ) .
( 3 ) تاريخ بغداد 6 / 30 ، المختار 1 / 249 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .