( 128 ) وقال أبو جعفر الحداد :
كنت أحبّ أن أرى كيف يجري أسباب الرّزق على الخلق ، فدخلت البادية في بعض السّنين على التّوكّل ، فبقيت سبعة عشر يوما لم أذق فيها شيئا ، حتّى سقطت على وجهي ، وغشي عليّ ، وغلب عليّ القمل شيء ما رأيت مثله قطّ ، ولا سمعت به ، فبينما أنا كذلك إذ مرّ بي ركب ، فرأوني على تلك الحالة ، فنزل أحدهم عن راحلته ، فحلق رأسي ولحيتي ، وشقّ عليّ ثوبي ، وتركني في الرّمضاء ، وسار ، فمرّ بي ركب آخر ، فحملوني إلى حيّهم ، وأنا مغلوب ، فطرحوني ناحية ، فجاءتني امرأة ، وحلبت على رأسي ، وصبّت اللّبن في حلقي ، ففتحت عيني قليلا ، وقلت لها : أقرب المواضع منكم أين ؟ قالوا :
جبل الشّراة « 1 » . فحملوني إلى الشّراة .
قال أبو جعفر : فحين سقطت ، قبضت « 2 » على حصاة ، وجهدوا في البادية أن يفتحوا يدي ، فلم يطيقوا ، وإذا بها حصاة كلّما هممت برميها لم أجد إلى رميها سبيلا ، فدخلت بيت المقدس ، واجتمع الصّوفيّة حولي ، والحصاة في يدي أقلبها ، فأخذها منّي بعض الفقراء ، وضرب بها الأرض ، فتفتّت « 3 » وخرجت منها دودة صغيرة ، ثمّ ضرب يده إلى ورقة ، فأخذها ووضعها على رأس الدّودة ، فلم تزل تشترّ حتّى قوّرت الورقة ، وأنا أنظر إليها ، فقلت : نعم يا سيّدي ، لم تطلعني على سبب مجاري الأرزاق إلّا بعد حلق رأسي ولحيتي « 4 » .
* * *
( 129 ) وقال أبو جعفر أيضا :
كنت أختلف إلى الصّوفية في بدايتي وأنا حدث ، فلمّا كان ذات يوم تبعني رجل يتعرّض لي ، فدفعته عن نفسي ،
هامش
( 1 ) الشراة : جبل من دون عسفان ، وبه عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز . معجم البلدان .
( 2 ) في ( ب ) : كنت قد قبضت .
( 3 ) في ( أ ) : فنقبت .
( 4 ) المختار 2 / 82 ، مختصر تاريخ دمشق 28 / 216 ، 217 .