فأطرقت أنظر بين يدي ، فنادتني المرأة : يا أبا إسحاق ، أنا أنتظرك منذ أيام ، حدّثني كيف رأيت الشّابّ قرّة عيني وثمرة فؤادي ؟ فوصفت لها حاله ، وما شاهدت منه حتّى بلغت قوله : أردت أن أشمّهم . فقالت : هاه ، قد بلغ الشّمّ « 1 » . ثمّ سقطت إلى الأرض ميتة ، وذلك عند رباط من رباطات سميساط .
فخرجن أتراب لها ، عليهن المرقعات والفوط ، فاحتوشنها وبكينها ، وقالوا لي : يا أبا إسحاق ، جزاك اللّه خيرا ، لقد أرحتها . فحضرت جنازتها ، وحضر خلق عظيم كبير لا يعلم عددهم إلّا اللّه ، وبقيت عند قبرها في الرّباط شهرا ، ثمّ عدّت إلى مصر ، والحمد للّه وحده « 2 » .
* * *
( 114 ) وقال أبو جعفر الفرغاني :
كنت عند بعض إخواننا من الصّوفية بالدّينور ، فجاءه قوم من الأكراد ليشتري لهم متاعا ، ثمّ قالوا له : لو علمت لمن نشتري هذا المتاع ، لسارعت إلى شرائه . فقال لهم « 3 » : حدثوني .
قالوا : نعم ، وأومؤوا إلى رئيس لهم كانوا معه ، فقالوا له : هذا سيّد الحيّ ، وكانت له زوجة ، فولدت له عدّة من البنات ، فقال لها وهي حامل : إن ولدت بنتا ، فأنت طالق . وقضى اللّه أنّا رحلنا رحلة الشّتاء ، نريد نحو المراغة « 4 » ونواحيها ، فبينا نحن نسير ذات يوم ، ضرب المرأة الطّلق ، فأخذت ماء كأنّها تريد تتوضأ للصلاة ، فولدت جارية ، فأخذتها ولفّتها في خرق ، وتركتها عند كهف جبل ، فجاءت وأظهرت أن ذلك الحمل كان ريحا ، وقد انفشّ .
هامش
( 1 ) في ( ب ) : قد بلغ الشمّ الشّمّ .
( 2 ) روض الرياحين 146 ( الحكاية : 65 ) .
( 3 ) في ( أ ) : فقلت لهم : حدثوني .
( 4 ) المراغة : بلدة مشهورة عظيمة ، أعظم بلاد أذربيجان وأشهرها . معجم البلدان .