يومي حتّى أدركني المساء ، فاغتممت بسبب الوضوء ، وفقد الماء ، وكانت ليلة مقمرة من اللّيالي البيض كأنها نهار ، فبينا أنا مفكر وإذا بصوت ضعيف لطيف : إليّ يا أبا إسحاق ، فإنّي سألت اللّه تعالى أن يحضر وفاتي وليّ من أولياء اللّه ، وأرجو أن يكون فعل ، وأنا منتظرك من صلاة الغداة .
فدنوت منه ، فإذا شابّ حسن الشّباب مطروح ليس به حركة ، وإذا عند رأسه ضبائر رياحين كثيرة ، منها ما عرفته ، ومنها لم أعرفه ، فتعجّبت منه ، وقلت له : فديتك ، ما الذي حبسك ههنا ؟ فقال : كنت بين أهلي في عزّ ورفاهية ، فخطر على سرّي السّفر ، وتمنّيت الغربة ، فخرجت من مدينة سميساط حتّى وقعت إلى هذه البقعة منذ شهر ، وقد احتضرت . فقلت له :
ألك والدان ؟ قال : نعم ، وإخوة وأخوات وأهل كثير . فقلت له : هل خطروا على سرّك ؟ قال : لا ، ما خطروا على سرّي إلا اليوم ، فإنّي أحببت أن أشمّهم وأجدّد العهد بهم ، فاحتوشت حولي جماعة من الوحوش ، وبكوا معي ، وهذه الرّياحين هم حملوه إليّ .
قال أبو إسحاق : فبقيت متحسّرا في أمري وأمره ، أتفكّر ، ووقع الشّابّ على قلبي ، وجذب سرّي ، فبينا كذلك إذا أقبلت حيّة عظيمة ، معها طاقة نرجس وردها نحو ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع ، وكأنّما تقول لي :
يا إبراهيم ، اعدل بسرّك عن الشّاب ، فإنّ الحقّ غيور . فصحت صيحة ما أفقت إلّا والشّابّ قد فارق الدّنيا ، فقلت في نفسي : إنّا للّه ، هذه محنة عظيمة ، كيف أعمل في غسله وكفنه ودفنه ؟ ثمّ وقع عليّ النّعاس ، فما انتبهت إلّا بحرّ الشّمس ، وإذا أنا على الجادّة التي أعرفها ، وأنا متحسّر على الشّاب منذ ثلاثين سنة .
قال أبو إسحاق : فلمّا رجعت من الحجّ ، قلت : واللّه ، لأمضينّ إلى سميساط ، ولأسألنّ عن الشّابّ ، فلمّا بلغت مصلّى سميساط ، استقبلتني امرأة عليها مرقّعة وإزار مرقّع ، وبيدها ركوة ، فما رأيت أحدا أشبه بوجه الشّاب من وجهها ، فقلت في نفسي : هذا فخّ من فخوخ الشّيطان ،
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 891
مساهمون: محمد أديب الجادر
ص٨٩١