القلب الذي لي ، فهم واللّه العظيم في شيء طيب . وما كنت آنس بكلام الخلق .
فخرجت يوما من باب قلمية « 1 » إلى صهريج يعرف بالمدفق « 2 » ، فجلست عنده ، وإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامس « 3 » يريد طرسوس ، وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل ، فقلت : أنا قد رضيت بالخبازى ، أعطي هذه القطع لهذا الفقير ، إذا دخل طرسوس يشتري بها شيئا يأكله . فلمّا دنا منّي ، أدخلت يدي إلى جيبي حتّى أخرج الخرقة ، فإذا بالفقير قد حرّك شفتيه ، وإذا كلّ ما حولي من الأرض ذهب يتّقد ، حتّى كاد يخطف بصري ، وألبسني منه هيبة ، فجاز ، فلم أسلّم عليه من هيبته .
فقيل لأبي سليمان : هل رأيته بعد ذلك ؟ فقال : نعم ، خرجت يوما خارج طرسوس ، فإذا أنا بالفتى جالس تحت برج من الأبرجة ، وبين يديه ركوة فيها ماء ، فسلّمت عليه ، ثمّ استدعيت منه موعظة ، فمدّ رجليه ، وقلب الماء ، ثمّ قال : إنّ كثرة الكلام تنشّف الحسنات ، كما ينشّف الأرض هذا الماء ، قم ؛ فقد كفتك « 4 » .
* * *
( 112 ) وقال محمد بن يوسف الفريابي :
سمعت أبا سنان وكان رجلا دهانا يدور في جبال بيت المقدس يقول : نزلت على رجل فقال لي : امض
هامش
( 1 ) باب قلمية : أحد أبواب طرسوس ، منسوب لكورة قلمية في بلاد الروم . انظر معجم البلدان 4 / 392 .
( 2 ) في ( أ ) : بالمدقف ، وفي المختار 5 / 391 : بالمدنف .
( 3 ) لامس : قرية على بعد مرحلة من قلمية ، على شط بحر الروم من ناحية طرسوس .
معجم البلدان .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 285 ، المختار 5 / 391 .