وقال : حدثني أبو الحسن اللّؤلئي وكان خيّرا « 1 » فاضلا ، قال : كنت في البحر ، فانكسر المركب ، وغرق كلّ ما فيه ، وكان في وطائي « 2 » لؤلؤة قيمتها أربعة آلاف دينار ، وقربت أيام الحجّ ، وخفت الفوات ، فلمّا نجّاني اللّه بروحي وسلمت من الغرق ، مشيت ، فقال لي جماعة كانوا معي في المركب : لو توقّفت ، عسى يجيء من يخرج شيئا ، فيخرج لك من رحلك شيئا . فقلت : قد علم اللّه ما مرّ منّي « 3 » ، وكان في وطائي شيء قيمته أربعة آلاف دينار ، وما كنت بالذي أوثره على وقفة بعرفة ، فقالوا :
وما الذي ورّثك هذه المنزلة ؟ فقلت : أنا رجل مولع بالحجّ أطلب الرّبح والثّواب ، حججت في بعض السّنين ، فعطشت عطشا شديدا ، فأجلست عديلي « 4 » في وسط المحمل ، ونزلت أطلب الماء ، والنّاس معطشون أيضا ، فلم أزل أسأل رجلا رجلا ، ومحملا محملا : هل معكم ماء ؟ وإذا النّاس شرع واحد ، حتّى صرت في ساقة « 5 » القافلة بميل أو ميلين ، فمررت بمصنع مصهرج « 6 » ، وإذا رجل فقير جالس في أرض المصنع ، وقد غرز عصاه التي في يده في أرض المصنع ، والماء ينبع من موضع العصا ، وهو يشرب ، فنزلت إليه ، وشربت إلى أن رويت ، وجئت إلى القافلة ، والنّاس قد نزلوا ، فأخرجت قربة ، ومضيت فملأتها ورجعت ، فلمّا رأوني النّاس والقربة على كتفي مملوءة ، فكأنه نودي فيهم : إنّ الماء وراءكم . فتبادروا إليه النّاس بالقرب والظّروف ، فلمّا روي النّاس عن آخرهم ، وسارت القافلة ، جئت لأنظر ، وليس يتخايل لي إلّا كأنّي أراه في المنام حتّى جئت
هامش
( 1 ) في ( أ ) : حبرا فاضلا .
( 2 ) وطائي : فراشي .
( 3 ) في ( أ ) : ما قدم مني .
( 4 ) عديلي : مثيلي ونظيري المعادل في الوزن والقدر في المحمل . انظر معجم متن اللغة .
( 5 ) الساقة : المؤخرة .
( 6 ) المصنع : ما يجمع فيه الماء . المصهرج : المطلي بالصاروج . معجم متن اللغة .