وروي أنّه قام ليلة إلى الصّباح يقوم ويسقط على هذا البيت :
باللّه فاردد فؤاد مكتئب * ليس له من حبيبه خلف
والنّاس حوله قيام لقيامه يبكون « 1 » .
وقال : خرجت من أيلة « 2 » إلى مصر ، فلمّا دخلتها قلت : أسلّم على الزّقّاق . فقصدته ، وسلّمت عليه ، فقال : من أين جئت يا أبا بكر ؟ قلت :
من أيلة . قال : إلى الرّملة ؟ قلت : لا يا سيّدي ، إلى القلزم وإليكم . فقال :
جزت ذلك الطّريق « 3 » ، خذ منّي فيه حكاية ، أقمت فيه ثمانية عشر يوما تائها ، ما وجدت فيه شيئا أرتفق به ، فلمّا كان بعد مدّة إذا أنا بسلطان قد ولي من مصر يريد أيلة ، فرأوا شخصا من بعيد ، فأرسلوا فارسا يحملني إليه « 4 » ، فلمّا رأيت جمالا ورفقة طمعت نفسي ، فلمّا تبيّنت أنهم جند أيست أنّ لي فيهم فرجا . قال الشّيخ : وما شيء من الطّاعات للّه تعالى إلّا وهذا الإياس في هذا الوقت أحسن منه . فقال الوالي : هذا رجل تائه ، قدّموا إليه السّفرة . فقلت : ليس إلى ذلك سبيل . فقال لي : ويحك ، أنت على حال التّلف ! فقلت له : إنّ بيعتنا مع اللّه ليست على هذا ، نحن لا نرضى رحلكم في المدن ، ولا لكم نرضاه ، وذلك أنّ العلم يلزمنا إياه ، ولو كنّا في شدّة . ففقه الأمير عنّي ما قلت ، فبكى ثم قال : سألتك باللّه ألا شربت الماء ؛ فإنّه من النّيل . فناولني إدواة ، فشربت منها شربة ، وبقيت عليها إلى مصر « 5 » .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 480 ( السماع ) .
( 2 ) أيلة : مدينة على بحر القلزم ( الأحمر ) مما يلي الشام ، يقال لها أيلات . وهي المدينة التي حرم اللّه على اليهود صيد السمك بها . انظر معجم البلدان .
( 3 ) في ( أ ) : حسوت ذلك الطريق .
( 4 ) في ( ب ) : فارسا من ولاة مصر أن يحملني .
( 5 ) المختار 1 / 384 .