مرّ عليه الحرّ والسّيول ، وقد استرمّت « 1 » ، فقمت فأخذتها ، وتركتها بين حجرين ، ودققتها حتّى صارت مثل السّويق ، فاستففتها ، وشربت الماء خلفها ، فرجعت إليّ نفسي ، فقمت وطلبت السّواد ، فلمّا أشرفت عليهم ذبحوا وخبزوا ، فأكلت واسترحت ، ولم أزل أعدل إلى البوادي حتّى أتيت مكّة ، وأقبل شعر رأسي ولحيتي يتناثر حتّى دخلت مكّة وأنا أقرع بغير لحية ، وجلست في موضعي ، فأقبل الصّوفية يذهبون ويجيئون وينكرني بعضهم ، ويقول بعضهم : هو أبو جعفر ؟ ! حتّى خلا بي واحد « 2 » منهم ، وقال لي : أنت أبو جعفر الحدّاد ؟ قلت : نعم . فمضى وحشر عليّ الصّوفية ، فجلسوا حولي ، فقال بعضهم : يا أبا جعفر ، التّوكّل ما هو ؟
فقلت : أيّما أحبّ إليك ، أصفه لك أو تراه حقيقة ؟ « 3 » فقال : بل أراه حقيقة . فقلت له : حلق الرّأس واللّحى « 4 » .
وقال : خرجت في بعض السّنين إلى مكّة ، وكنت أمشي على محجّة الطّريق ، فكأنّي نوديت في سرّي : توكّل ومحجّة ؟ ! فرجعت فعرّجت عن الطّريق ، فوقعت إلى أرض ما رأيتها قطّ ، فبينما أنا أسير إذ سمعت وطئا من ورائي ، فالتفتّ فإذا أنا بشخص ، فقال لي : أمتوكّل أنت ؟ قلت : نعم ، ثم قلت له : أنت إنسيّ ؟ فقال : لا ، بل نحن فتية من الجنّ مؤمنين متوكّلين ههنا منذ أربع مئة سنة ، ما رأينا من الإنس غيرك ، هل لك من حاجة ؟
قلت : نعم ، تفاحة أشمّها إلى مكّة . فقال لي : توكّل وتفاحة ؟ ! نحن ظننا أنّك تطلب حجرا تنزله تحت رأسك « 5 » .
وقال : خرجت سنة من السّنين إلى البادية ، فبقيت أربعة وعشرين يوما
هامش
( 1 ) استرمّت : أصبحت رمّة . أي بالية . انظر القاموس .
( 2 ) في ( ب ) : حتى جاءني واحد .
( 3 ) في ( أ ) : أحب إليكم ، أصفه لكم ، أو تروه حقيقة .
( 4 ) المختار 2 / 85 ، مختصر تاريخ دمشق 28 / 217 .
( 5 ) المختار 2 / 51 .