وقال : خذ القمطرة « 1 » هي لك . فقلت له : كيف صارت لي ؟ فقال : كنّا في البحر منذ عشرة أيام ، فاشتدّ علينا البحر ، وأشرفنا على الغرق ، فسألنا اللّه السّلامة ، وتضرّعنا إليه ، ونذر النّاس النّذور كلّ على قدره ، فنذرت :
إن اللّه سلّمني ورجعت إلى عيالي ، دفعت هذه القمطرة إلى أوّل من أراه في المسجد الحرام من المجاورين . فقلت له : افتحها . ففتحها ، فإذا فيها كعك سميذ مصري ، ولوز مقشّر ، وسكّر كعاب ، قال : فأخذت قبضة من ذا ، وقبضة من ذا ، وقبضة من ذا ، وقلت له : ردّ هذا إلى مكانه ، فإنّه هدية منّي إلى صبيانك . فأخذها وقام مسرورا ، فقلت في نفسي : هذا رزقي من عشرة أيام ، يسير إليّ ، وأنا أخرج إلى الوادي أطلب شيئا آكله « 2 » .
وقال : سمعت أبا يعقوب الأقطع يقول : احتجت بمكّة مرّة حاجة شديدة ، فدخلت الحجر ، وصلّيت ، وأطلت ، وسألت اللّه ، فلمّا رفعت رأسي وجلست للتّشهد ، سقط في حجري مسمار من مسامير الميزاب من ذهب « 3 » .
وقال : قلت لأبي جعفر الحدّاد : النّاس يقولون : إنّك أقمت بالبادية سبعين يوما ما أكلت فيها ولا شربت ، فحدّثني . فقال : أنا معتقد التّوكّل ، وأرى رزقي يجري على أيدي النّاس ، وكنت أريد أن يجيء به الجنّ أو الوحش أو يخرج من الأرض ، أو ينزل من السّماء ، فاعتقدت أنّي أدخل البادية ، فإذا رأيت سوادا عدلت عنه ، فأقمت أربعين يوما ، فما أكلت ولا شربت ، حتّى ضعفت ، فجئت إلى مصنع « 4 » ، فأخذت ماء ، فغسلت وجهي ورجلي ، واسترحت ، ثمّ لمحت نصف دبّة « 5 » كان فيها قطران ، قد
هامش
( 1 ) القمطرة : شبه سفط يسفّ من قصب . اللسان .
( 2 ) المختار 5 / 190 ، روض الرياحين 177 ( الحكاية : 98 ) .
( 3 ) المختار 5 / 191 .
( 4 ) المصنع والمصنعة : حوض يجمع فيه ماء المطر . القاموس .
( 5 ) الدّبّة : ظرف للبزر والزيت . القاموس .