لم أطعم فيها طعاما ، فلمّا كان بعد ذلك رأيت كوخا وفيه غلام ، فقصدت الكوخ ، فرأيت الغلام قائما يصلّي ، فقلت في نفسي : بالعشي يجيء إلى هذا طعام ، فآكل معه . فبقيت تلك اللّيلة والغد وبعد غد ثلاثة أيام لم يجئه أحد بطعام ، ولا رأيت أحدا ، فقلت : هذا شيطان ، ليس هذا من النّاس .
فتركته وانصرفت . فلمّا كان بعد مدّة أشهر وأنا جالس في منزلي أميز في بعض الكتب « 1 » ، إذ بداقّ يدقّ الباب ، فقلت : من هذا ؟ فقال : أدخل ؟
فأذنت له ؛ فدخل عليّ ذلك الغلام ، وقال لي : يا جعفر « 2 » ، أنت كما سمّيت جاع فرّ « 3 » .
وقيل له : أيّهما أفضل قوة العلم مع ترك المنازلة ، أو المنازلة مع قوّة الرّغبة . فقال : لا أعرف شيئا أفضل من العلم ، والأعمال بالعلم تزكو ، ومن لا علم له ليس له عمل ، وإنّما يكره من العلم تضييعه وتركه ونبذه .
قيل له : رحمك اللّه ، فهل يقال : طلب العلم عمل ؟ فقال : هو من أكبر الأعمال ، وبالعلم عرف اللّه وأطيع ، وبالعلم استحيا المستحيون ، وهو قبل الأعمال ، قال اللّه تعالى :
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 5 ] وقال سبحانه :
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 4 ] ولا يكره العلم إلّا منقوص « 4 » .
وقال : كنت ببيت المقدس ، فرأيت رجلا « 5 » ملتفّا في عباءة نهارا طويلا ، ثمّ ثار ووثب ، ورفع رأسه إلى السّماء ، وقال : أيّما أحبّ إليك ؛ تطعمني مضيرة « 6 » وفالوذجا « 7 » وإلّا كسرت قناديلك ؟ ثمّ رجع ونام ،
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أميز شيئا من الكتب .
( 2 ) في ( ب ) : يا أبا جعفر .
( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 149 ، المختار 2 / 49 ، و 5 / 406 .
( 4 ) المختار 2 / 54 .
( 5 ) الرجل هو عمرو بن سلمة أبو حفص النيسابوري . انظر تخريج الخبر .
( 6 ) المضيرة مريقة تطبخ باللبن المضير ( الحامض ) ، وربما خلط بالحليب ، أو هي أن يطبخ اللحم باللبن الصريح ، وهي تشبه ما يسمّى اليوم بالشاكرية ( اللبنية ) . انظر متن اللغة ( مضر ) .
( 7 ) الفالوذج : حلواء تسوّى من لباب الحنطة ، معرّب بالوذة ، وتسمّى فالوذق وفالوذج ، -