فقلت : إنّا للّه ، إمّا أن يكون سوداويا أو وليّا للّه مدلّا ؟ فبينا أنا كذلك أفكّر في أمره ، إذ أقبل رجل ومعه زنبيل كبير ، فجعل ينظر يمنة ويسرة حتّى لمحه ، فقعد عند رأسه ، وقال له : اقعد ، ثمّ أخرج من الزّنبيل مضيرة وفالوذجا حارّا . فقعد الفقير يأكل حتّى شبع ، ثمّ قال له : ردّ الباقي إلى صبيانك . فقام الرّجل من عنده وذهب . قال : فتبعته ، فقلت له : سألتك باللّه ، هل بينك وبين هذا الفقير معرفة ؟ فقال : لا واللّه ، ولا رأيته إلّا في وقتي هذا ، اشتهى عليّ صبياني يوم أمس مضيرة وفالوذجا حارّا ، وأنا رجل حمّال ، فقلت لهم : ما يمكن اليوم ، فإن فتح اللّه بشيء فعلت ، فكسبت اليوم دينارا ، فاشتريت لهم حوائج المضيرة والفالوذج ، وغلبتني عيناي ، فنمت ، فهتف بي هاتف : قم ، فاحمل هذه المضيرة والفالوذج إلى المسجد ، فاجعله بين يدي الرّجل الملفوف بالعباءة ، فإنّا أصلحناه له ، فما بقي منه فأطعمه لصبيانك . فانتبهت ، وقد قرّبوه لنأكل ، فأخذته وجئت إلى هذا النّائم كما رأيت ، فقلت له : قد وفّقت إن شاء اللّه تعالى . وأنشد :
حسبي سمّوا في الهوى أن تعلما « 1 » * أن ليس حقّ مودّتي أن أظلما
ثمّ امض في ظلمي على علمي به * لا مقصرا عنه ولا متهجّما
فوحقّ ما أخذ الهوى من مهجتي * وأذاب من بدني عليك وأسقما
لجفاك عن علم بما أنا واجد * أحظى لديّ من الرّضا متوهّما « 2 »
وأنشد أيضا :
شئت هجري فلا تصلني فإنّي * مستلذّ الذي يسرّك منّي
هات ما شئت من جفاء وصدّ * واجتناب وصبوة وتجنّي
هامش
- وتعرف اليوم باسمها الفارسي بالوزة . معجم متن اللغة ( فلذ ) .
( 1 ) في ( أ ) : سواء ، وفي المختار 2 / 54 : حسبي سواء ، وفيه أيضا 5 / 412 : حسبي سؤالي .
( 2 ) الأبيات في تاريخ بغداد 12 / 75 معزوة إلى عبيد اللّه بن الحسين في ترجمته ، وفيه :
من الرضا متجهما .