طول البكاء ، واكرباه من طول المكث في الدّنيا ، سبحان من أذاق قلوب العارفين حلاوة الانقطاع إليه ، فلا شيء ألذّ عندهم من ذكره ، والخلوة بمناجاته . ثمّ مضى وهو يقول : قدّوس ، قدوس . فناديته : أيّها العابد ، قف لي . فوقف وهو يقول : اللّهمّ ، اقطع عن قلبي كلّ علاقة ، واجعل شغله بك دون خلقك . فسلّمت عليه ، وسألته أن يدعو لي ، فقال :
خفّف اللّه عنك مؤن نصب السّير إليه ، وأدّاك « 1 » إلى رضاه ، حتّى لا يكون بينك وبينه علاقة . ثمّ سعى بين يدي كالها رب من السّبع « 2 » .
وقال رضي اللّه عنه لفتى من النّساك : يا فتى ، خذ لنفسك سلاح الملامة « 3 » ، واقمعها بردّ الظّلامة ، تلبس غدا سرابيل السّلامة ، وأقصرها في روضة الأمان ، وذوّقها مضض فرائض الإيمان « 4 » ، تظفر بنعيم الجنان ، وجرّعها كأس الصّبر ، ووطّنها على الفقر ، حتّى تأتمّ بالأمر « 5 » . فقال له الفتى : وأيّ نفس تقوى على هذا ؟ فقال : نفس على الفقر صبرت ، وفي سربال الظّلام خطرت ، وابتاعت الآخرة بالدّنيا ، بغير شرط ولا ثنيا ، تدرّعت رهبانية القلق ، ورعت الدّجى إلى وضح الفلق ، فما ظنّك في نفس في وادي الحنادس « 6 » سلكت ، وهجرت اللّذات فملكت « 7 » ، وإلى الآخرة نظرت ، وعن الذّنوب أقصرت ، وعلى النّذر « 8 » من القوت اقتصرت ، ولجيوش الهوى قهرت ، وفي ظلم الدّياجي سهرت « 9 » ، فهي بقناع الشّوق
هامش
( 1 ) في الحلية : ودلّك .
( 2 ) حلية الأولياء 9 / 356 .
( 3 ) في ( أ ) : الملالة .
( 4 ) في ( أ ) : فرائض الأمان ، وفي : ( ب ) فرائض العمل ، والمثبت من الحلية .
( 5 ) في ( ب ) : تأتمر بالأمر .
( 6 ) الحنادس : الظلمات .
( 7 ) في ( ب ) : فما ملكت .
( 8 ) في ( أ ) : وعلى التزود .
( 9 ) في ( أ ) : زهرت .