روّعت قلبي بالفراق فلم أجد * شيئا أمرّ من الفراق وأوجعا
حسب الفراق بأن يفرّق بيننا * فلطالما قد كنت منه مروّعا
قال : فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا ، فلمّا أحسّت بي ، تجلّلت بخمار كان عليها ، ثمّ قالت : يا ذا النّون ، غضّ بصرك عن مواقع النّظر ؛ فإنّي حرام عليك ، فعلمت أنّها امرأة ، فقلت : ولم عافاك اللّه ؟ أما علمت أنّ للّه عبادا لا يشغلهم سواه ، ولا يميلون إلى ذكر غيره ؟ ثمّ قلت :
يا أمة اللّه ، مم تحوي الهموم قلب المحبّ ؟ فقالت : إذا كان التّذكار مجاورا ، والشّوق مخاطرا « 1 » ، يا ذا النّون ، أما علمت أنّ الشّوق يورث الأسقام ، وتجديد التّذكار يورث الحزن ؟ ثمّ أنشأت تقول :
لم أذق طيب وصلك حتّى * زال عنّي محبّتي « 2 » للأنام « 3 »
قال أبو عصمة : كنت مع ذي النّون المصري ، وبين يديه شابّ حسن الوجه ، يملي عليه شيئا ، فمرّت امرأة ذات خلق حسن ، قال : فجعل الفتى يسارق النّظر إليها ، فنظر ذو النّون إليه ، فلوى عنقه ، ثمّ أنشد :
دع المصوغات من ماء ومن طين * واشغل هواك بحور جرّد عين « 4 »
وسئل ذو النّون رضي اللّه عنه : ما علامة الأنس باللّه ؟ فقال : إذا رأيته يوحشك من خلقه ، فإنّه يؤنسك بنفسه ، وإذا رأيته يؤنسك بخلقه ، فإنّه يوحشك من نفسه « 5 » .
ثمّ قال : إنّ الدّنيا أمة اللّه ، والخلق كلّهم عبيد اللّه ، خلقهم للطاعة ، وضمن لهم أرزاقهم ، فحرصوا على أمته ، وقد نهاهم عنها ، وطلبوا
هامش
( 1 ) في الحلية : إذا كان للتذكار محاورة ، وللشوق محاضرة .
( 2 ) في ( أ ) : لم أذق طعم . . . محبّة الأنام .
( 3 ) حلية الأولياء 9 / 375 ، المختار 5 / 463 .
( 4 ) حلية الأولياء 9 / 375 .
( 5 ) حلية الأولياء 9 / 377 .