مخمّرة ، وإلى طاعته مشمّرة ، قد نبذت المعايش ، ورعت الحشائش ، [ هذه نفس خدوم ، و ] عملت ليوم القدوم ، بتوفيق الحيّ القيوم « 1 » .
وقال رضي اللّه عنه : طوبى لمن أنصف ربّه عزّ وجل . قيل له : وكيف ينصف ربّه ؟ فقال : يقرّ له بالآفات في أداء طاعته ، وبالجهل في معصيته ، فإن أخذه بذنوبه رأى عدله ، وإن غفرها له رأى فضله ، وإن لم يتقبّل منه حسناته ، لم يره ظالما لما معها من الآفات ، وإن قبلها رأى إحسانه لما حباه به من الكرامات « 2 » .
وقال : أتتني امرأة ، فقالت : إنّ ابني قد أخذه التّمساح السّاعة . فرأيت حرقتها ، فأتيت النّيل ، وقلت : اللّهمّ ، أظهر التّمساح . فخرج إليّ ، فشققت جوفه ، وأخرجت ابنها حيّا صحيحا ، فقالت : كنت إذا رأيتك سخرت منك ، فاجعلني في حلّ ؛ فإنّي تائبة إلى اللّه تعالى « 3 » .
وقال ذو النّون رضي اللّه عنه : خرجت حاجّا إلى بيت اللّه الحرام ، فبينا أنا في الطّواف ، إذا بشخص متعلّق بأستار الكعبة ، وهو يبكي ، ويقول في بكائه : كتمت بلائي من غيرك ، وبحت بسرّي إليك ، فاشتغلت بك عمّن سواك ، وعجبت لمن عرفك ، كيف يسلو عنك ؟ ولمن ذاق حبّك ، كيف يصبر عنك ؟ ثمّ أنشأ يقول :
ذوّقتني طيب الوصال فزادني * شوقا إليك مخامر الأحشاء « 4 »
ثمّ أقبل على نفسه يلومها ، ويقول : أمهلك ، فما ارعويت « 5 » ، وستر عليك فما استحيت ، وسلبك حلاوة الإيمان فما باليت . فأنشأ يقول :
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 9 / 356 ، 357 .
( 2 ) حلية الأولياء 9 / 366 .
( 3 ) حلية الأولياء 9 / 366 ، المختار 2 / 339 .
( 4 ) في الحلية : فزدتني . . . مخامر الحسرات .
( 5 ) في ( أ ) : فما رعيت .