أحد لا يصل إلى اللّه ، وعليه من غيره بقيّة .
وقال ذو النّون : دخلت إلى سواد نيل مصر ، فجنّني اللّيل ، فقمت بين زروعها ، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ، ففركتها ، ثمّ تركتها ، وبكت ، وقالت : يا من بدره حبّا يابسا في أرضه ولم يكن شيئا ، أنت الّذي صيّرته حشيشا ، ثمّ جعلته عودا قائما ، وجعلت فيه حبّا متراكبا ، وكوّنته بتكوينك ، وأنت على كلّ شيء قدير . ثمّ قالت : عجبت لمن هذه قدرته ، كيف يعصى ؟ وعجبت لمن هذه مشيئته ، كيف لا يطاع ؟ وعجبت لمن هذه صنعته ، كيف يشكى ؟ فدنوت منها ، فقلت : من يشكو ؟ فقالت : أنت يا ذا النّون ، إذا اعتللت فلا تشتك علّتك إلى مخلوق مثلك ، واطلب دواءك ممّن ابتلاك ، وعليك السّلام ، فلا حاجة لي في مناظرة البطّالين . ثمّ أنشأت تقول :
وكيف تنام العين وهي قريرة * ولم تدر في أيّ المحلّين تنزل « 1 »
وقال ذو النّون : بينا أنا أسير في ليلة ظلماء ، في جبال بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا حزينا ، وبكاء عاليا ، وهو يقول : واوحشتاه بعد أنساه « 2 » ، واغربتاه بعد وطناه ، وافقراه بعد غناه ، واذلّاه بعد عزّاه . فتبعت الصّوت حتّى قربت منه ، فلم أزل أبكي لبكائه ، حتّى إذا أصبحنا نظرت إليه ، فإذا رجل ناحل الجسم كالشّنّ « 3 » المحترق ، فقلت : يرحمك اللّه ، تقول مثل هذا الكلام لأيّ سبب ؟ فقال : دعني ، كان لي قلب فقدته . ثمّ أنشأ يقول :
كان لي قلب أعيش به * فرماه الحبّ فاحترقا
فقلت له :
لم تشتكي ألم البلا * ء وأنت تنتحل المحبّة ؟
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 9 / 344 ، المختار 5 / 479 .
( 2 ) في ( أ ) : بعد الأنس .
( 3 ) الشّنّ : القربة الخلق الصغيرة .