تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
فقلت لها : إنّي أخوك ذو النّون ، ولست من أهل التّهم . فقالت : مرحبا ، حيّاك اللّه بالسّلام . ثمّ قال لها : ما حملك على الدّخول في هذا الموضع ؟ فقالت : آية في كتاب اللّه ، وهي قوله :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
[ النساء : 97 ] ، كلّما دخلت إلى موضع يعصى اللّه فيه لم يهنّني فيه قرار بقلب ، قد أذهلته شدّة محبّته ، وهام بالشّوق « 1 » إلى رؤيته . فقال لها : صفي لي المحبّة . فقالت : سبحان اللّه ، أنت عارف ، تتكلّم بلسان المعرفة ، وتسألني ! فقال : للسّائل حقّ الجواب . فقالت : نعم ، المحبّة عندي أولها لهج القلب بذكر المحبوب ، والحزن الدّائم ، والشّوق اللازم ، فإذا صار المحبوب إلى أعلاها شغلهم وجدان الخلوات عن كثير من أعمال الطّاعات . ثمّ أخذت في الزّفير والشّهيق ، وأنشأت تقول :
أحبّك حبّين حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاكا فأمّا الّذي هو حبّ الهوى * فذكر شغلت به عن سواكا وأمّا الّذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتّى أراكا فما الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا « 2 »
وقال يوسف بن الحسين : كنت عند ذي النّون ، فجاءه رجل ، فقال له : رأيت أبا يزيد البسطامي ، فقلت له : أنت أبو يزيد . فقال : ومن أبو يزيد ؟ يا ليتني رأيت أبا يزيد . فبكى ذو النّون ، وقال : إنّ أخي أبا يزيد فقد نفسه في حبّ اللّه ، فصار يطلبها مع الطّالبين لها . وقال : بينما أنا أسير في بلاد الشّام ، فإذا أنا بعابد قد خرج من بعض تلك الكهوف ، فلمّا نظر إليّ ، استتر عنّي بين تلك الأشجار ، ثمّ قال : أعوذ بك يا سيدي ممن يشغلني عنك ، يا مأوى العارفين ، وحبيب التّائبين ، ومعين الصّادقين ، وغاية أمل المحبّين . ثمّ صاح : واغمّاه من
هامش
( 1 ) في ( أ ) : قد أذهلتها محبته ، وهامت بالشوق . ( 2 ) حلية الأولياء 9 / 348 ، وانظر صفة الصفوة 4 / 429 ، والمختار 5 / 458 .