حسبي ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلني « 1 » .
وقال ذو النّون : لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما .
وقال : توبة العوام من الذّنوب ، وتوبة الخواصّ من الغفلة « 2 » .
وقال : من قنع استراح من أهل زمانه ، واستطال على أقرانه « 3 » .
وقال محمد بن أحمد الشّمشاطي « 4 » : سمعت ذا النّون المصري يقول : بينا أنا أسير في جبال أنطاكية ، فإذا أنا بجارية ، كأنّها وآلهة مجنونة ، عليها جبّة من صوف ، فسلّمت عليها ، فردّت عليّ السّلام ، ثمّ قالت : ألست ذا النّون المصري ؟ قلت : عافاك اللّه ، كيف عرفتيني ؟
فقالت : فتق الحبيب بين قلبي وقلبك ، فعرفتك باتّصال حبّ الحبيب . ثمّ قالت : أسألك مسألة ؟ قلت : سليني . قالت : أيّ شيء هو السّخاء ؟ قلت :
البذل والعطاء . قالت : هذا السّخاء في الدّنيا ، فما السّخاء في الدّين ؟
قلت : المسارعة إلى طاعة المولى . قالت : فإذا سارعت إلى طاعة المولى تحبّ فيه الجزاء ؟ قلت : نعم ، للواحد عشرة . قالت : مرّ يا بطّال ، هذا في الدّين قبيح ، ولكنّ المسارعة إلى طاعة المولى أن يطّلع على قلبك ، وأنت لا تريد منه شيئا بشيء ، ويحك يا ذا النّون ، إنّي أريد أن أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة ، فأستحيي منه أن أكون كأجير السّوء ، إذ عمل طلبا لأجرة ؛ ولكن أعمل طلبا لهيبته وعزّ جلاله . ثمّ ذهبت وتركتني « 5 » .
وقال : نظرت في هذا الأمر ، فوجدت رأس الدّين أن يعرف المرء نفسه ، ونظرت فإذا معرفة اللّه تعالى أن يعرف العبد قدره ، ونظرت فإذا
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 520 ( كرامات الأولياء ) ، روض الرياحين الحكاية ( 261 ) .
( 2 ) الرسالة القشيرية 173 ( التوبة ) .
( 3 ) الرسالة القشيرية 259 ( القناعة ) .
( 4 ) في المختار وصفة الصفوة : السميساطي . وشمشاط بلدة من بلاد الثغور الجزرية قرب مدينة آمد . اللباب .
( 5 ) المختار 5 / 453 ، صفة الصفوة 4 / 430 .