حنين قلوب العارفين إلى الذّكر * وتذكارهم وقت المناجاة للسّرّ
أديرت كؤوس للمنايا عليهم * فأغفوا عن الدّنيا كإغفاء ذي السّكر
همومهم جوّالة بمعسكر * به أهل ودّ اللّه كالأنجم الزّهر
فأجسامهم في الأرض قتلى بحبّه « 1 » * وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري
فما عرّسوا « 2 » إلّا بقرب حبيبهم « 3 » * وما عرّجوا عن مسّ بؤس ولا ضرّ « 4 »
وقيل للجنيد : إن أبا سعيد الخرّاز كان كثير التّواجد عند الموت .
فقال : لم يكن بعجيب أن تطير روحه اشتياقا « 5 » .
وقال : كنت بمكّة ، فخرجت يوما من باب بني شيبة ، فرأيت شابّا حسن الوجه ، وهو ميت ، فنظرت في وجهه ، فبتسّم في وجهي ، وقال لي :
يا أبا سعيد ، أما علمت أنّ الأحباب أحياء وإن ماتوا ؟ وإنّما ينقلون من دار إلى دار « 6 » .
وقال : كنت في بعض أسفاري ، وكان يظهر لي كلّ ثلاثة أيام شيء « 7 » آكله وأستقلّ به ، فمضى ثلاثة أيام ما أكلت وقتا من الأوقات شيئا ، ولم يظهر لي شيء ، فضعفت وجلست ، فهتف بي هاتف : أيّما أحبّ إليك سبب أو قوّة ؟ فقلت : القوة . فقمت من وقتي ، ومشيت اثني عشر يوما ، ولم أذق شيئا ، ولم أضعف « 8 » .
هامش
( 1 ) في تهذيب الأسرار : تبلى بحبه ، وفي طبقات الأولياء : تحيا بحبه .
( 2 ) جاء في هامش ( أ ) : التعريس : النّزول آخر الليل .
( 3 ) في ( ب ) : نحو مليكهم .
( 4 ) تهذيب الأسرار 543 ، تاريخ دمشق 7 / 122 ، طبقات الأولياء 45 ، روض الرياحين 251 ( الحكاية : 177 ) .
( 5 ) الكواكب الدرية 1 / 515 .
( 6 ) تهذيب الأسرار 58 ، روض الرياحين 247 ( الحكاية : 170 ) .
( 7 ) في ( أ ) : أيام ظبي .
( 8 ) تهذيب الأسرار 358 ، المختار 1 / 317 .