قلت : ما هو ؟ قال : الدّنيا . فلمّا ولّى عنّي ، التفت إليّ وقال : غير أنّ لي فيكم لطيفة . قلت : ما هي ؟ قال : صحبة الأحداث . قال أبو سعيد : وقلّ من يتخلّص من هذا من الصّوفية « 1 » .
وقال : المحبّ يتعلّل إلى محبوبه بكلّ شيء ، ولا يتسلّى عنه بشيء ، ويتّبع آثاره ، ولا يدع استخباره . وأنشد :
أسائلكم عنها فهل من مخبّر * فما لي بنعم بعد مكّتنا علم « 2 »
فلو كنت أدري أين خيّم أهلها * وأيّ بلاد اللّه إذ ظعنوا أمّوا
إذا لسلكنا مسلك الرّيح خلفها * ولو أصبحت نعم ومن دونها النّجم « 3 »
وقال : صحبت الصّوفية ما صحبت ، فما وقع بيني وبينهم خلاف .
قالوا : لم ؟ قال : لأنّي كنت معهم على نفسي « 4 » .
وقال : التّوكّل اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب « 5 » .
وقال : دخلت مرّة البادية بغير زاد ، فأصابتني فاقة شديدة ، فرأيت المرحلة من بعيد ، فسررت بأن وصلت ، ثمّ فكّرت في نفسي أنّي سكنت واتّكلت على غيره ، فآليت أن لا أدخل القرية إلّا أن أحمل إليها ، فحفرت لنفسي حفيرة في الرّمل ، وواريت جسدي فيها إلى صدري ، فسمع أهل المرحلة صوتا عاليا في نصف اللّيل : يا أهل المرحلة ، إنّ للّه وليّا حبس نفسه في هذا الرّمل ، فالحقوه . فجاء جماعة ، فأخرجوني وحملوني إلى القرية « 6 » .
هامش
( 1 ) طبقات الصوفية 232 ، الرسالة القشيرية 85 ، المختار 1 / 316 .
( 2 ) في طبقات الصوفية 232 : فما لي بنعم مذ نأت دارها علم .
( 3 ) طبقات الصوفية 232 ، المختار 1 / 314 ، وستذكر الأبيات ثانية صفحة 663 .
( 4 ) تهذيب الأسرار 266 ، وفيه : صحبت الصوفية خمسين سنة . والرسالة القشيرية 85 ، المختار 1 / 316 .
( 5 ) الرسالة القشيرية 265 ( التوكل ) ، المختار 1 / 316 .
( 6 ) تاريخ ابن عساكر 7 / 121 ، المختار 1 / 319 .