وقال المغازلي أيضا : ما رأيت قطّ أحدا أعبد من النّوري . قيل له :
ولا الجنيد ؟ فقال : ولا الجنيد . وكانت له قنّينة تسع خمسة أرطال ماء ، يشربها في خمسة أيام وقت إفطاره « 1 » .
وقال أبو أحمد بشارة : جئت يوما إلى أبي الحسين النّوري ، وقد جعت أربعة أيام ، ما أكلت فيها شيئا ، فلمّا رآني قال لي : ولد مشؤوم ، يجوع أحدكم أربعة أيام ، ينادي الجوع عليه ، ثمّ أدخل رأسه في جيبه ، وأعطاني جبّة كانت عليه سابوري « 2 » ، وقال لي : خذ الظّهارة ، وأعطني البطانة والقطن ، وبع الظّهارة ، ولا ترجع إليّ حتّى تأكل شيئا طيّبا .
فأخذتها وبعتها بنيّف وأربعين درهما ، واشتريت كلّ ما أردت وحملته إلى الفقراء « 3 » .
وقال الحسين بن الفضل : حضرت أبا الحسين النّوري وهو في الموت ، فقلت له : يا أبا الحسين ، إن أردت شيئا ، أو كان في نفسك شهوة ، أو ما أحببت ، فقل لي . فرفع رأسه ، وقد انكسر لسانه فقال : إي واللّه أشتهي شهوة كبيرة كبيرة . قلت : وما هي ؟ قال : أشتهي أن أرى اللّه تعالى . ثمّ تنفّس صعدا كالواجد بحاله ، وفارق الدّنيا « 4 » .
وروي أن سائلا « 5 » سأله ، فقال له :
إذا كان منّي الكلّ بالكلّ فانيا « 6 » * أبن لي عن أيّ الوجودين أخبر
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 5 / 131 ، المختار 1 / 357 .
( 2 ) السابري : ثوب رقيق جيد ، منسوب إلى سابور ، وكلّ ثوب رقيق فهو سابري ( التاج ) وفي ( ب ) : بنابوزي .
( 3 ) المختار 1 / 362 .
( 4 ) المختار 1 / 369 .
( 5 ) السائل هو أبو الحسن القناد . حلية الأولياء .
( 6 ) في الحلية : إذا كان كل الكل في النور فانيا .