قال أحمد بن إبراهيم المقرئ : كان أبو الحسين النّوري لا يسأل أبدا عمّا لا يعنيه ، ولا يفتّش عمّا لا يحتاج إليه ، غير أنّه كان إذا رأى منكرا غيّره ، ولو كان فيه تلفه ، فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحّامين ليتوضّأ للصّلاة ، إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنّا مكتوب عليها بالقار ( لطف ) ، فقرأه وأنكره ؛ لأنّه لم يعرف شيئا يعبّر عنه بلطف ، فقال للملّاح : أيش في هذه الدّنان ؟ فقال له : وأيش عليك ؟ امض لشغلك .
فلمّا سمع النّوريّ من الملاح هذا القول ازداد تعطّشا إلى معرفته ، فقال له :
أحبّ أن تخبرني ما في هذه الدّنان . فقال له الملّاح : وأيش عليك ؟ امض لشغلك ، أنت واللّه صوفيّ فضولي ، هذا خمر للمعتضد باللّه ، يريد أن يتمّ به سرور مجلسه . فقال النّوري : وهذا خمر ؟ قال : نعم . فقال : أحبّ أن تعطيني ذلك المرديّ « 1 » . فاغتاظ الملاح عليه ، وقال لغلامه : أعطه المردي حتّى أنظر ماذا يصنع . فلمّا صار المرديّ في يده ، صعد إلى الزّورق ، فلم يزل يكسرها دنّا دنّا حتّى أتى على آخرها إلّا دنّا واحدا ، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر ، وهو يومئذ مؤنس بن أفلح ، فقبض على النّوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد . وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ، ولم يشكّ أحد أنّه سيقتله .
قال أبو الحسين : فأدخلت عليه ، وهو جالس على كرسيّ من حديد ، وبيده عمود يقلّبه ، فلمّا رآني قال : من أنت ؟ قلت : محتسب « 2 » . فقال :
من ولّاك الحسبة ؟ قلت : الذي ولّاك الخلافة ولانّي الحسبة . قال : فأطرق ساعة إلى الأرض ، ثمّ رفع رأسه إليّ وقال : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقلت : شفقة منّي عليك ، فبسطت يدي إلى صرف مكروه عنك . فأطرق مفكّرا من كلامي ، ثمّ رفع رأسه إليّ وقال لي : كيف تخلّص
هامش
( 1 ) المردي : خشبة تدفع بها السفينة ، تكون في يد الملاح . اللسان .
( 2 ) المحتسب : من يتولّى ضبط الموازين والمكاييل ، ويده مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يحال بينه وبين مصلحة أرادها .