هذا الدّنّ الواحد من جملة هذه الدّنان ؟ فقلت : في خلاصه سرّ أخبر به أمير المؤمنين إن أذن لي . فقال : أخبرني . فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إنّي أقدمت على الدّنان كلّها بمطالبة الحقّ سبحانه لي بذلك ، ولمّا غمر قلبي من شاهد الإجلال للحقّ سبحانه ، وخوف المطالبة ، فغابت هيبة الخلق عنّي ، فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدّنّ ، فامتلأت نفسي كبرا وفخرا ، كيف أقدمت عليك يا أمير المؤمنين ، فامتنعت لذلك من الدّنّ الباقي ، ولو أقدمت بالخاطر الأول حتّى يكون ملء الدّنيا لكسرتها ، ولم أبال . فقال المعتضد : اذهب ، فقد أطلقنا يدك ، وغيّر ما أحببت أن تغيّره من المنكر . فقلت : يا أمير المؤمنين ، تبغّض عليّ « 1 » التّغير . [ قال : لم ؟ قلت : ] لأنّي كنت أغيّر عن اللّه ، وأنا الآن أغيّر عن شرطي . ثمّ قال لي : ما حاجتك ؟ فقلت : حاجتي أن تأذن لي بالخروج .
فأذن له ، فانحدر إلى البصرة ، فأقام بها إلى أن مات المعتضد خوفا أن يسأل الشّفاعة إليه في حاجة ، ثمّ عاد إلى بغداد « 2 » .
وقال الفرغاني : كان الجنيد وأبو الحسين النّوري يسمّيان ببغداد طاووسا العبّاد .
مكث أبو الحسين النّوري عشرين سنة يأخذ من بيته كلّ يوم رغيفين ، ويخرج يمضي إلى السّوق ، فيتصدّق بالرّغيفين ، ويدخل إلى مسجد ، فلا يزال يركع ويسجد حتّى يجيء وقت سوقه ، فإذا جاء الوقت دخل السّوق ، فيظنّ أستاذه أنّه قد تغدّى في منزله ، وأهله يظنّون أنّه قد أخذ معه غداءه ، وهو صائم « 3 » .
قال المغازلي : ما رأيت قطّ أحسن منهما .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : نغضّ .
( 2 ) المختار 1 / 361 .
( 3 ) تاريخ بغداد 5 / 131 ، المختار 1 / 357 . وانظر الصفحة 390 .