تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
وفعل العبد ، ففعل اللّه تامّ كامل ، وفعل العبد مقيّد بإذن اللّه وتوفيقه ، والإذن من اللّه قد تقدّم ، فمن استقبل الإذن بحسن النّيّة ، أمدّه اللّه بحسن التّوفيق ، فيصير سعيدا في الدّنيا ، سعيدا في الآخرة ، ومن لم يستقبل الإذن بحسن النّيّة ، أمدّه اللّه بالخذلان ، فيصير شقيّا في الدّنيا شقيا في الآخرة . وقال عبد الرّحمن بن إسماعيل : كنت ببغداد ووافى الحاج من خراسان ، فلقيني بعض أصحابنا الذين عاشرناهم ممّن له فضل وإفضال على هذه الطّائفة ، فسألني أن أعرّفه بجماعة ، ليصلهم بشيء قد حمله معه برسمهم ، فقلت له : ابدأ بأبي القاسم الجنيد . فحمل إليه دراهم كثيرة ، وثيابا كثيرة ، فلمّا رآه الجنيد ، أعجبه أدبه في رفقه ، فقال له : اجعل بعضه لفقراء أذكرهم لك . فقال الخراساني : أنا أعرف الفقراء أيّها الشّيخ ! فقال له الجنيد : فأنا أؤمّل أن أعيش حتّى آكل هذا ؟ فقال : إنّي لم أقل لك يا أبا القاسم أنفقه في الخلّ والبقل والكامخ ، والجبن والمالح ، إنّما أريد أن تنفقه « 1 » في الطّيبات وألوان الحلاوات ، فكلّما كان أسرع ، كان أحبّ إليّ . فتبسّم الجنيد ، وقال له : مثلك لا يحلّ أن يردّ عليه . فقبل ذلك منه ، فقال الخراساني : ما أعلم أحدا ببغداد أعظم منّة عليّ منك . فقال الجنيد : ولا ينبغي لأحد أن يرتفق إلّا ممن كان مثلك . وقال أبو جعفر الفرغاني : كنّا عند الجنيد جلوسا في المسجد ، فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ، فيتشبّهون بالصّوفية ، ويقصّرون فيما يجب عليهم في حقّ الجلوس ، ويعيبون على من يدخل السّوق ، فقال الجنيد : كم ممّن هو في السّوق حكمه أن يدخل المسجد ، فيأخذ ببعض من فيه بإذنه « 2 » ، فيخرجه إلى السّوق ، ويقعد مكانه . ثمّ قال : إنّي لأعرف رجلا يدخل السّوق منذ أربعين يوما ما كسب حبّة واحدة ، وكان في سوقه
هامش
( 1 ) في ( ب ) : أنفقه . ( 2 ) في ( ب ) : فيأخذ بإذن بعض من فيه ، فيخرجه .