وقال : إنّ القلوب إذا تجرّدت من الدّنيا ، صحت وصفت لعلم الآخرة ، فاعمل في ابتداء أمرك على إخراج الدّنيا من سرّك ، واحذر أن لا يبقى عليك منها دقيق هوى قد كمن فيك ، فيوقفك ذلك عن النّفاد ، ويعترض عليك في صحّة المراد . واعلم أنّك إن صدقت في إرادتك أدركت ( إرادته لك ، فكنت بصدقك فيما عاملت في صحة إرادتك وأصلا إلى ملاطفة إرادته « 1 » لك ) « 2 » . واعلم أنّه إذا أرادك تولّاك وكفاك وأغناك ، فتعرّض لطلب إرادته منك ؛ ليعينك على إرادتك له .
وقال أبو محمد الجريري : سألت الجنيد فقلت له : ما بال الإنسان تخفّ عليه بعض الأعمال ، ويثقل عليه البعض ؟ فقال : ربّما كان ذلك اختبارا من الحقّ تبارك وتعالى له ، يهب له شيئا من الأحوال العالية « 3 » ، لينظر كيف حفظه لها ، وكيف تمسّكه بها . فإن رآه مراعيا لها متمسّكا بها على دائم أوقاته ، زاده منها ، وفتح له في غيرها ، ونقله إلى ما هو أعلى منها . وإن رآه مضيّعا لها ، سلبه إيّاها ، إذا كان لا يعرف قدر الموهبة .
فينبغي لمن وهب اللّه عزّ وجلّ له شيئا أن يعرف قدر موهبته له .
وقال : احتقار الفقر ، وسرعة الغضب ، وحبّ المنزلة كلّ ذلك من مزلّة « 4 » النّفس ، وهو خلع العبودية ، ومنازعة الرّبوبية « 5 » .
وقال : ينبغي للعاقل أن يعرف أمر اللّه عزّ وجلّ من فعله ، ويميّز بين فعل اللّه وفعل نفسه ، كما أنّه لا بدّ أن يكون في المعرفة اسمان : عارف ومعروف . فكذلك لا بدّ أن يكون في المعاملة فعلان : فعل اللّه عزّ وجلّ ،
هامش
( 1 ) في المنتقى : واصلا إلى مصادفة إرادته .
( 2 ) ما بين الهلالين ليس في ( أ ) .
( 3 ) في ( أ ) : العلية .
( 4 ) في ( أ ) : من منزلة .
( 5 ) المختار 2 / 80 .