تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
رأيته في منامي ، وقد كنت أحبّ أن أرى الأبدال ، وسألت اللّه أن يريني الأبدال ، فرأيت ليلة كأنّي جالس على بابنا ، إذ مرّ ثلاثة نفر عليهم ثياب خلقان ، وزيّ رثّ دنس ، وعليهم ظاهر بلوى ، فوقع في قلبي أنّهم الأبدال ، فقمت واتّبعتهم حتّى جاؤوا إلى مسجد ، فدخلوه ، ودخلت خلفهم ، فلمّا رأوني انتفضوا ، فإذا زيّهم أحسن زيّ ، وأبدانهم كأحسن الأبدان ، وخلقهم كأحسن الخلق ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : هذا خلقنا ، وزيّنا ، وحالنا . فقلت لهم : فما بال الحالة الأوّلة ؟ فقالوا : ذاك شيء يسترنا اللّه به عن الخلق . ثمّ قالوا لي : يجزيك « 1 » ؟ قلت : نعم . ثمّ انتفضوا ، وعادوا إلى صورهم التي كانت أولا ، ثمّ خرجوا من المسجد يمشون ، حتّى جاؤوا إلى دكان بقّال ، فيها قصب وحطب ، فتناول أحدهم من القصب قصبة ، فصارت في يده حطبا ، وتناول من الحطب ، فصار في يده قصبا ، ثمّ قال لي : يجزيك ؟ فقلت : أجزاني . ثمّ مضوا ، وانتبهت ، فلمّا أصبحت جلست على بابنا أنتظر ما رأيت في ليلتي ، فإذا الثّلاثة بأعيانهم دخلوا إلى المسجد ، فدخلت خلفهم ، فكان منهم مثل ما رأيت ، ثمّ خرجوا من المسجد ، واتّبعتهم حتّى جاؤوا إلى دكان البقّال ، فكان مثل ما رأيت أيضا ، فلمّا أرادوا أن يفارقوني ، قلت لهم : من ببغداد من الأبدال ؟ قالوا : فلان وفلان . لقوم أعرفهم ، قال الجنيد : فكأنّي أزريت على واحد منهم بقلبي ، فقلت لهم : وفلان من الأبدال ؟ ! قالوا : نعم ، هو من أهل الأنس باللّه . فما زال الجنيد يقول : هم ثلاثة ، فسئل عنهم ، فلا يخبرنا « 2 » ، ولكن يقول : قد مات منهم ، وبقي منهم . وما زال يقول بقي واحد إلى أن مات . فكنّا نرى أنّ الذي أخبر أنّه من أهل الأنس باللّه عزّ وجلّ أحمد بن مسروق ، والذي أزرى عليه عنى به نفسه ، واللّه أعلم « 3 » .
هامش
( 1 ) يجزيك : يكفيك . اللسان ( جزي ) . ( 2 ) في ( ب ) : فيسأل عنهم ، فلا يخبر . ( 3 ) المختار 2 / 64 ، 65 .