وفيهم أبو محمد الجريري ، فنظر إلى الجنيد ، وهو مشتغل بما هو فيه من درس القرآن والرّكوع والسّجود ، فقال له الجريري : يا أبا القاسم ، لو رفقت بنفسك ! فقال : يا أبا محمد ، حالة وصلت بها إلى اللّه في بدء أمري ، لا أفارقها حتّى ألحق باللّه عزّ وجلّ . ثمّ قال له الجنيد : يا أبا محمد ، لي إليك حاجة ، إذا متّ ، فاغسلني وكفّني وصلّ عليّ . قال :
فبكى الجريري ، وبكينا ، ثمّ قال : وحاجة أخرى ، تتّخذ لأصحابنا طعام الوليمة ، فإذا انصرفوا من الجنازة ، رجعوا إلى ذلك حتّى لا يقع بهم التّشتّت . قال : فبكى الجريري بكاء شديدا ، ثمّ قال : واللّه ، لئن فقدنا هاتين العينين ما اجتمع « 1 » منّا اثنان أبدا . قال أبو جعفر الفرغاني : فكان واللّه كذلك ، ما اجتمع منّا اثنان بعد وفاته ، وإنّما كان ذلك ببركة الشّيخ ورؤيته « 2 » .
وقال أبو علي الرّوذباري : كان الجنيد قد ترك السّماع ، وشغله العلم والعمل ، وكان إذا فرغ من أوراده وضع رأسه بين ركبتيه ، فلا يرفع رأسه حتّى يجتمع عليه أصحابه ، فيشغلوه بالعلم والمسائل « 3 » .
وروي أنّ أبا محمد الجريري سأل الجنيد عن رجل حلّ به أمر من الأمور ، فهو يكاتم سرّه ، ولا يسأل ربّه كشفه ، وآخر إذا وقع له شيء من ذلك يجأر إلى اللّه عزّ وجلّ بالدّعاء والتّضرّع ، فأيّهما عندك أعلى حالا ؟
فقال : بل الذي يكتمّ سرّه في نفسه ولا يبديه ، ويعلم أنّ علّام السّرائر عالم عارف بما هو فيه ، فيوافق بذلك علمه بما هو فيه ، فيكره أن يعترض عليه بشيء لا يأمنه عليه .
وقال : من فتح على نفسه باب نيّة حسنة ، فتح اللّه عليه سبعين بابا من
هامش
( 1 ) في ( أ ) : لا اجتمع .
( 2 ) المختار 2 / 82 ، 83 .
( 3 ) المختار 2 / 65 ، 66 .