وقال أبو عبد اللّه المكانسي : كنت عند الجنيد يوما ، فأتته امرأة « 1 » فقالت : إنّ ابنا لي قد ضاع ، فادع اللّه لي . فقال : اذهبي ، اصبري .
فمضت ، ثمّ عادت وقالت مثل ذلك ، فقال لها الجنيد : اذهبي واصبري .
فمضت ثمّ عادت ، وقالت مثل ذلك مرارا ، والجنيد يقول : اذهبي واصبري . فقالت له : عيل صبري ، ولم يبق لي طاقة ، فادع لي . فقال الجنيد : إن كان كما قلت ، فاذهبي فقد رجع ابنك . فمضت وعادت تشكره ، وأخبرته بعوده ، فقيل له : بم عرفت ذلك ؟ فقال : لأنّ اللّه تعالى يقول :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
« 2 » [ النمل : 62 ] .
وقال جعفر بن نصير الخلدي : دفع إليّ الجنيد درهما ، وقال : اشتر به لي التين الوزيري . فاشتريته ، فلمّا أفطر ، أخذ واحدة ووضعها في فمه ، ثمّ ألقاها وبكى ، وقال لي : احمله . فقلت له في ذلك ، فقال : هتف بي هاتف في قلبي . أما تستحيي ، تركت هذا من أجلي ثمّ تعود إليه ؟ وأنشد :
نون الهوان من الهوى مسروقة * وصريع كلّ هوى صريع هوان « 3 »
وسئل عن التّصوّف ، فقال : أن تكون مع اللّه بلا علاقة « 4 » .
وقال مرّة أخرى : هو أن يميتك الحقّ عنك ، ويحييك به « 4 » .
وقال مرّة : هو عنوة لا صلح فيها « 5 » .
وقال مرّة أخرى : هم أهل بيت واحد ، لا يدخل فيهم غيرهم « 5 » .
وقال مرّة أخرى : التّصوّف ذكر مع اجتماع ، ووجد مع استماع ، وعمل مع اتباع « 5 » .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : فرأيته وأتته امرأة .
( 2 ) الرسالة القشيرية 379 ( الدعاء ) ، المختار 2 / 61 .
( 3 ) الرسالة القشيرية 250 ( مخالفة النفس ) ، المختار 2 / 62 ، طبقات الأولياء 129 .
وانظر تهذيب الأسرار 177 .
( 4 ) الرسالة القشيرية 400 ( التصوف ) ، المختار 2 / 78 .
( 5 ) الرسالة القشيرية 401 ( التصوف ) ، تهذيب الأسرار 26 و 27 .