وقال : الفتوّة بالشّام ، واللّسان بالعراق ، والصّدق بخراسان « 1 » .
وقال : الفتوّة كفّ الأذى ، وبذل النّدى « 2 » .
وروي أنّ شابّا كان يصحب الجنيد يتكلّم على خواطر النّاس ، فقال الجنيد يوما : أيش هذا الذي يذكر عنك ؟ فقال له الشّابّ : اعتقد شيئا بقلبك . فقال له الجنيد : اعتقدت . فقال الشّابّ : اعتقدت كذا وكذا . فقال الجنيد : لا . فقال : اعتقد ثانيا . ففعل ، فقال : اعتقدت كذا وكذا . فقال الجنيد : لا . فقال ثالثا . فقال مثله ، فقال الشّابّ : هذا عجب ، أنت صدوق ، وأنا أعرف قلبي ! فقال له الجنيد : صدقت في الأوّل ، والثّاني ، والثّالث ، ولكنّي أردت أن امتحنك هل يتغيّر قلبك « 3 » .
وقال : كان يقول لي السّريّ : تكلّم على النّاس ، وكان في قلبي حشمة من الكلام على النّاس ، فإنّي كنت أتّهم نفسي في استحقاق ذلك ، فرأيت ليلة في المنام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وكانت ليلة جمعة ، فقال لي : تكلّم على النّاس .
فانتبهت ، وأتيت باب السّريّ قبل أن أصبح ، فدققت عليه الباب ، فقال لي : لم تصدّقنا حتّى قيل لك . فقعدت في غد بالجامع ، وانتشر في النّاس أنّ الجنيد قعد يتكلّم على النّاس ، فوقف عليّ غلام نصرانيّ متنكر ، وقال لي : أيّها الشّيخ ، ما معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتّقوا فراسة المؤمن ، فإنّه ينظر بنور اللّه » ؟ « 4 » قال : فأطرقت رأسي ، ثمّ رفعته ، وقلت له : أسلم ؛ فقد حان وقت إسلامك . فأسلم الغلام « 5 » .
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 337 ( الفتوة ) ، تهذيب الأسرار 188 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 338 ( الفتوة ) ، المختار 2 / 78 .
( 3 ) الرسالة القشيرية 349 ( الفراسة ) ، المختار 2 / 60 .
( 4 ) أخرجه الترمذي 5 / 298 ( 3127 ) في التفسير ، باب ومن سورة الحجر ، والطبراني في الكبير 8 / 102 ، وأبو نعيم في الحلية 6 / 118 ، والخطيب في تاريخ بغداد 5 / 99 .
وحسّنه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 268 .
( 5 ) الرسالة القشيرية 353 ( الفراسة ) ، المختار 2 / 61 .