الوافرة ، وأخرج من خفّه سكّينا ليذبحني بها ، فوحقّ سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكّينه ، إنّما كان قلبي عند سيّدي ، أنظر ماذا ينزل بي من القضاء منه ، فقلت : يا سيدي ، إن كنت قضيت على أن يذبحني هذا فعلى الرّأس والعين ، إنّما أنا لك وملكك . فبينا أنا أخاطب سيدي ، وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي ليذبحني إذ رماه بعض المسلمين بسهم ، فما أخطأ حلقه ، فسقط عنّي ، فقمت إليه ، فأخذت السكّين من يده ، فذبحته ، فما هو إلّا أن تكون قلوبكم عند سيّدكم ، حتّى تروا من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمهات « 1 » .
وقال : وقفت براهب ، فسألته عن نفسه مسألة ، فقال لي : مكانك .
وأدخل رأسه في صومعته ، فلمّا كان بعد أسبوع أخرج رأسه ، فقال : أنت ههنا ؟ ! فقلت : للوعد ، فما الذي حبسك عنّي ؟ قال : كنت على غير طهر ، فتطهّرت ، فعرض على قلبي شيء ، فلم أزل أفكّر إلى اليوم ، ثمّ قال لي :
من أين أنت ؟ قلت : من أهل بلخ . فقال : إلى من كنت تجلس ؟ فقلت :
إلى شقيق . فقال : أيش سمعته يقول ؟ قلت : سمعته يقول : لو أنّ السّماء من نحاس ، والأرض من حديد ، فلا السّماء تقطر ، ولا الأرض تنبت حبّة ، وكان عيالي ما بين الخافقين لم أبال . قال الرّاهب : هذا رجل سوء ، فلا تجلس إليه . قلت : ولم ؟ قال : لأنّه تفكّر فيما لم يكن . كيف لو كان إنّما كان ينبغي له أن يفكّر فيما كان كيف كان ، لا تجالسه ، فإنّه فاسد الفكر .
وقال : يصبح النّاس كلّ صباح على ثلاث فرق : فرقة قد طردوا من باب اللّه ، وفرقة طردوا من خدمته وعبادته ، ولم يطردوا عن بابه ، وفرقة أكرموا بالخدمة ، وجعلوا في ستره وكنفه . فالواجب على العبد أن يقول كلّ صباح : الحمد للّه الذي لم يجعلني من المطرودين عن بابه ، وهم
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 244 ، المختار 2 / 132 . وتقدم الخبر مختصرا صفحة 260 .